2014/05/13
السؤال:
السلام عليكم وبارك الله بعمركم وجزاكم الله خير جزاء المحسنين.. شيخنا أود السؤال عن فضائل شهري رجب وشعبان، وعن العبادات الواجبة والمستحبة فيها. وجزاكم الله خيرا.
الاسم: ابو محمد
الرد:-
وعليكُم السلامُ ورحمةُ اللهِ تعَالى وبركاتُهُ.
جزاكم اللهُ سبْحانَهُ خير الجزاءِ على دعائِكُم الطَّيّب ولكم بمثلِه.
قالَ ربُّنا الملكُ الكريمُ الوهَّاب جلّ وعلا:-
{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [سورة التوبة: 36].
قالَ الإمامُ القُرْطبِي رحمهُ اللهُ تعالى في تفسيرِهِ:-
(لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا عَظَّمَ شَيْئًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ صَارَتْ لَهُ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا عَظَّمَهُ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ جِهَاتٍ صَارَتْ حُرْمَتُهُ مُتَعَدِّدَةً فَيُضَاعَفُ فِيهِ الْعِقَابُ بِالْعَمَلِ السَّيِّئِ كَمَا يُضَاعَفُ الثَّوَابُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. فَإِنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ لَيْسَ ثَوَابُهُ ثَوَابَ مَنْ أَطَاعَهُ فِي الشَّهْرِ الْحَلَالِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَمَنْ أَطَاعَهُ فِي الشَّهْرِ الْحَلَالِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ لَيْسَ ثَوَابُهُ ثَوَابَ مَنْ أَطَاعَهُ فِي شَهْرٍ حَلَالٍ فِي بَلَدٍ حَلَالٍ. وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [سورة الأحزاب: 30]).
وَوَردَ أَنَّ حَضْرَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعَالى عَلَيْهِ وآلِهِ وصحبِهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ:-
(إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَر الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) الإمام أبو داودٍ رحمهُ الودود جلّ ذكره.
(قوله: إنّ الزمان قد استدار كهيئته، معنى هذا الكلام أنّ العرب في الجاهلية كانت قد بدّلت أشهر الحُرُم وقدّمت وأخّرت أوقاتها من أجل النسيء الذي كانوا يفعلونه وهو ما ذكر الله سبحانه في كتابه فقال {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما} [التوبة: 37] الآية، ومعنى النسيء تأخير رجب إلى شعبان والمحرّم إلى صفر، وأصله مأخوذ من نسأت الشيء إذا أخّرته، ومنه النسيئة في البيع، وكان من جملة ما يعتقدونه من الدين تعظيم هذه الأشهر الحُرُم فكانوا يتحرجون فيها عن القتال، وعن سفك الدماء، ويأمن بعضهم بعضا إلى أنْ تنصرم هذه الأشهر، ويخرجوا إلى أشهر الحِلّ، فكان أكثرهم يتمسكون بذلك ولا يستحلون القتال فيها، وكان قبائل منهم يستبيحونها، فإذا قاتلوا في شهر حرام حرّموا مكانه شهرا آخر من أشهر الحِلّ، ويقولون: نسأنا الشهرَ، واستمر ذلك بهم حتى اختلط ذلك عليهم وخرج حسابه من أيديهم فكانوا ربما يحجون في بعض السنين في شهر ويحجون من قابل في شهر غيره إلى أنْ كان العام الذي حج فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فصادف حجّهم شهر الحجّ المشروع وهو ذو الحجة، فوقف بعرفة اليوم التاسع منه، ثمّ خطبهم فأعلمهم أنّ أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان وعاد الأمر إلى الأصل الذي وضع الله حساب الأشهر عليه يوم خلق السموات والأرض، وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا تتغير أو تتبدّل فيما يستأنف من الأيّام، فهذا تفسيره ومعناه، وقوله: رجب مضر، إنّما أضاف الشهر إلى مضر لأنّها كانت تشدّد في تحريم رجب وتحافظ على ذلك أشد من محافظة سائر القبائل من العرب فأضيف الشهر إليهم لهذا المعنى) معالم السنن (2/206).
عَنْ مُجِيبَةَ الْبَاهِلِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَمِّهَا رضي الله تعالى عنْهُمْ أجمعينَ:-
(أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ وَهَيْئَتُهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْبَاهِلِيُّ الَّذِي جِئْتُكَ عَامَ الأوَّل قَالَ: فَمَا غَيَّرَكَ وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ؟ قَال: مَا أَكَلْتُ طَعَامًا مُنْذُ فَارَقْتُكَ إِلَّا بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلِمَ عَذَّبْتَ نَفْسَكَ؟ صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَمِنْ كُلِّ شَهْرٍ يَوْمًا. قَالَ: زِدْنِي؛ فَإِنَّ بِي قُوَّةً قَالَ: صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يَوْمَيْنِ، قَالَ: زِدْنِي فَإِنَّ بِي قُوَّةً، قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: زِدْنِي فَإِنَّ بِي قُوَّةً، قَالَ: صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ فَضَمَّهَا، ثُمَّ أَرْسَلَهَا) الإمام أبو داود رحمهُ الغفور الودود سبحانه.
ولِمَا كانَ لهذا الشَّهرِ (أي شهرُ رَجَبٍ) مِنْ مكانةٍ في نفوسِ النَّاس لدرجةِ أنَّهمْ قدْ يَنْشغِلونَ بِهِ وبِرمضانَ ويتناسَونَ شهرَ شعبانَ فكانَ الصَّادقُ المصدوقُ صلّى اللهُ تعالى عليه وآلِهِ وصحبِهِ وسلّمَ يصومُ شعبانَ لِيُؤكِّدَ للنَّاسِ أهميتَهُ.
عنْ سيِّدِنا أسامة بْنِ زيدٍ رضي اللهُ تعالى عنهُ قَالَ:-
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) الإمامُ النَّسائِيُّ رحمهُ اللهُ عزّ وجلّ.
ومِنْ فضائلِ هذا الشَّهرِ (أي شهرُ رَجَبٍ) تَذَكّرِنا لمنَّةِ وفضلِ اللهِ جلّ في علاه على رسولِهِ ومُصطفاهُ صلّى اللهُ تعالى وسلّم عليهِ وآلِهِ وصحبِه ومَنْ والاه بمعجزةٍ تكادُ أنْ تكونَ أعظمَ معجزةٍ أُكرمَ بها خاتمَ النبيينَ وإمامَ المرسلينَ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين بعْدَ معجزةِ القرآنِ العظيمِ وقدْ قالَ اللهُ جلَّ جلالَهُ وعمَّ نوالَهُ في ذلك:-
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [سورة الإسراء: 1].
أمَّا ما جاءَ عنْ فضلِ شهرِ شعبانَ فالأحاديثُ كثيرةٌ مِنْها ما ذكرْتُهُ مِنْ حديثِ سيِّدِنا أسامة رضي اللهُ تعالى عنهُ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ السَّيدةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي اللهُ تعالى عنْها قَالَتْ:-
(قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ قُبِضَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُمْتُ حَتَّى حَرَّكْتُ إِبْهَامَهُ فَتَحَرَّكَ فَرَجَعَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَوْ يَا حُمَيْرَاءُ أَظَنَنْتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَاسَ بِك؟ أي غَدَرَ بِكِ قُلْتُ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنْ قُبِضْتَ طُولَ سُجُودِكَ، قَالَ: أَتَدْرِي أَيَّ لَيْلَةٍ هَذِهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذِهِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَطَّلِعُ عَلَى عِبَادِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ وَيَرْحَمُ الْمُسْتَرْحِمِينَ وَيُؤَخِّرُ أَهْلَ الْحِقْدِ كَمَا هُمْ) الإمام الْبَيْهَقِيُّ رحمه الله جلّ وعلا.
ومِنْها أيضًا أَنَّ سيّدَنا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وصحبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ:-
(يَطَّلِعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ إِلَّا لِاثْنَيْنِ مُشَاحِنٍ وَقَاتِلِ نَفْسٍ) الإمامُ أحمدُ رحمَهُ اللهُ سبحانه.
وعَنْ السَّيدةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:-
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ) الإمامُ مُسلِم رحمَهُ المنعم عزّ شأنه.
وحدِيثانِ ذَكرْتُهما في واجهةِ هذا الموقعِ المباركِ يبيِّنانِ فضائلَ هذينِ الشَّهرينِ المباركينِ آثَرْتُ تَبرّكَ المسلمينَ بقراءَتِهما.
وأرجو مراجعة جواب السؤالين (1002، 1480) في هذا الموقعِ المبارك.
واللهُ تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد الأولين والآخرين، وقائد الغرّ المحجلين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.