2020-06-29

السؤال:

هل التصوّف معناه التقرّب إلى الله تعالى وتعظيمه وتجليله وزيادة محبّة رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام؟

 

الاسم: سمية

 

الرد:-

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاكِ الله عزّ وجلّ خيراً أختي الكريمة على تواصلك مع هذا الموقع المبارك.

وكان بودّي ابتداء رسالتك بالسلام تطبيقا لهدايات الشرع الشريف التي ذكرتها في مقدمة جواب السؤال المرقم (2556) في هذا الموقع الكريم، فأرجو مراجعتها.

بما أنّ كلمة (التصوّف) قد أخذت تفسيرات وتصوّرات كثيرة، بعضها صادق مخلص، والآخر ليس كذلك.

إنّ التسمية التي أرجّحها لما تسألين عنه هي:-

(العمل الروحي الإسلامي) أو (التزكية).

فعبادة الخالق جلّ جلاله وعمّ نواله بصورها المختلفة لا تكتمل إلّا بحقيقتها الروحية، وهذا – مع الأسف – يفتقده الكثير من المسلمين اليوم، فأصبحت عباداتهم صورية دون روح، وأعمالهم الأخرى تفتقر إلى النيّة، وبالتالي حُرِمُوْا أجرَها.

فقام رجالُ العمل الروحي الإسلامي رضي الله تعالى عنهم وعنكم ليُحيوا الأرواح في أجساد الأعمال لتكون العبادة بحضور القلب مع الله جلّ في علاه، ومن مظاهره: الخشوعُ الذي هو طريق الفلاح، قال الحقّ عزّ شأنه:-

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2].

وقد ضرب سبحانه مثلاً على تأثير القرآن الكريم في الجمادات فقال عزّ من قائل:-

{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21].

وهذا مع الجبال، فكيف مع قلب المؤمن الذي هو محطّ نظر الله جلّ وعلا؟!

قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(إنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

والخشوع (عِلمٌ)، فعن سيّدنا أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال:-

(كنّا معَ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ- فشخصَ ببصرِهِ إلى السَّماءِ ثمَّ قالَ: هذا أوانٌ يُختَلَسُ العِلمُ منَ النَّاسِ حتَّى لا يقدِروا منهُ علَى شيءٍ، فقالَ زيادُ بنُ لَبيدٍ الأنصاريُّ: كيفَ يُختَلَسُ العِلمُ منَّا وقد قَرأنا القرآنَ، فواللَّهِ لنَقْرَأنَّهُ وَلَنُقْرِئنَّهُ نساءَنا وأبناءَنا؟ فقالَ: ثَكِلَتكَ أمُّكَ يا زيادُ إنْ كُنتُ لأعدُّكَ مِن فُقَهاءِ أهلِ المدينةِ، هذهِ التَّوراةُ والإنجيلُ عندَ اليَهودِ والنَّصارَى فَماذا تُغْنِي عَنْهُمْ، قالَ جُبَيرٌ: فلَقيتُ عُبادةَ بنَ الصَّامتِ، قُلْتُ: أَلَا تَسْمَعُ إلَى مَا يَقُوْلُ أَخُوْكَ أبُو الدَّرْدَاءِ؟ فأخبَرتُهُ بالَّذي قَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ، قَالَ: صَدَقَ أَبُوْ الدَّرْدَاءِ إنْ شِئْتَ لَأُحَدِّثنَّكَ بِأوَّلِ عِلْمٍ يُرفَعُ مِنَ النَّاسِ: الخُشُوْعُ، يُوْشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَلَا تَرَى فِيْهِ رَجُلًا خَاشِعًا) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

وبما أنّه علم فيحتاج لمعلّم موصول اليد بحضرة خاتم النبيّين عليه وعليهم وآلهم أفضل الصلاة والتسليم من الناحيتين الروحية والعلمية، لتكون مهمّته تقريبه من الله سبحانه، ومن حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين وغرس محبّتهما وتعظيمهما وتوقيرهما ومعرفة حقّهما والتفاعل مع هدايات الشرع الشريف.

هذا وأوصيكِ أختي الفاضلة بقراءة كتاب سيّدي حضرة الشيخ عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه الموسوم:-

(معالم الطريق في العمل الروحي الإسلامي).

وكتابي:-

(الرابطة القلبية).

وأرجو الاطلاع على باب الذكر والسلوك والتزكية، ومنها: أجوبة الأسئلة المرقمة (11، 17، 117، 203، 288، 555، 1654) في هذا الموقع المبارك.

وصلّى الله تعالى وسلّم على حبيبه المكرّم، ونبيّه المعظّم، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.

والله عزّ وجلّ أعلم.