2020-06-26

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الحبيب…هل يكتب للطفل دون سن البلوغ أجر الصيام والصلاة…هذا ونسألكم الدعاء وجزاكم الله عزوجل خيرا

 

الاسم: رحمة زاهد الجميلي

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

اللهمّ افتح مسامع قلوبنا للتقوى، ووفقنا للعمل الذي ترضى، واجعل لنا من أزواجنا وذرياتنا قرّة أعين في الدنيا والآخرة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

يقول الله جلّ جلاله:-

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21].

فالله جلّ وعلا يرفع درجة الأبناء إلى درجة الآباء وإنْ كانوا دونهم في العمل، وكذا يرفع درجة الآباء ببركة دعوات أبنائهم، قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ وجلّ.

من هذا يتبيّن أنّ كلا الطرفين يصبّ عمله في إناء الآخر.

وقال:-

(مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه.

وقال أيضا:-

(رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ وعلا.

يتّضح لنا ممّا سبق أنّ من مقاصد الشريعة الغرّاء تعويدَ الصبيّ (ذكرا أو أنثى) على العبادة لكي لا تثقل عليه عند البلوغ، ويألفها، ويتمرّن عليها، وكما قال الشاعر:-

وَيَـنْـشَـأُ ناشِئُ الفِـتْـيَـانِ مِنّا *** عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ

وَما دَانَ الفَتى بِحِجًى وَلَكِنْ *** يُعَـلِّـمُهُ التَـدَيُّـنَ أَقـرَبوهُ

وَطِـفْـلُ الفَـارِسِـيِّ لَــهُ وُلاةٌ *** بِأَفعالِ التَـمَجُّسِ دَرَّبوهُ

 

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.

وَعَنْ سَيِّدِنَا عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-

(أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا —) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.

من هنا ندرك أنّ للوالدين اللمسة في توجيه الطفل نحو العبادة وبناء شخصيته الإيمانية، كما أنّ الواجب عليهم وضع قدمه على الطريق الصحيح.

وفي صدر الإسلام نلمس التربية الإيمانية وكيف كان السلف يربُّون أولادهم، فَعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ:-

(أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ قَالَتْ فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.

وَعَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-

(سَأَلْتُ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ — وَنَصْنَعُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَنَذْهَبُ بِهِ مَعَنَا، فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ، أَعْطَيْنَاهُمُ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وأبلغ من ذلك ما جاء في حديث رَزِينة رضي الله تعالى عنها قالت:-

(قُلْتُ لِأُمِّي: أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَاشُورَاءَ؟ قَالَتْ: كَانَ يُعَظِّمُهُ، وَيَدْعُو بِرُضَعَائِهِ وَرُضَعَاءِ فَاطِمَةَ، فَيَتْفُلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ، وَيَأْمُرُ أُمَّهَاتِهِنَّ أَلَّا يُرْضِعْنَ إِلَى اللَّيْلِ) الإمام ابن خزيمة رحمه الله عزّ شأنه.

وفي هذه النصوص الشريفة ومثيلاتها حجّة على مشروعية تمرين الصبيان وتدريبهم على الصيام كما تقدّم لأنّ مَنْ كان في مثل السنّ الذي ذكر في هذا الحديث فهو غير مكلّف، وإنّما صنع لهم ذلك للتمرين.

وأمّا عن ثواب الصبّي على الصيام والصلاة وحتّى تعويده على الصدقة، فقد قال العلماء رحمهم الله تعالى جميعا بحصول الثواب له ولوالديه أجر التسبّب فيه معتمدين على الأدلّة الشريفة، ومنها:-

ما رواه سيّدنا عبد الله بْن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا:-

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ فقَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، وقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ جلاله.

وجاء عن سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنّه قال:-

(تُكْتَبُ لِلْصَغِيْرِ حَسَنَاتُهُ، وَلَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُ) مواهب الجليل (2/56).

ولقول النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.

ولأنّ ذلك من التعاون على البرّ والتقوى، والله سبحانه يثيب على ذلك

وعَنْ سَيِّدِنَا طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-

(كَانَ مِنْ أَخْلاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحُجُّوا بِأَبْنَائِهِمْ وَيَعْرِضُونَهُمْ لِلَّهِ) مواهب الجليل (2/479).

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

والله تبارك اسمه أعلم.