2020-05-22

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عفوا سيّدي وردت في السنوات الأخيرة بقصد التمسّك بالسنّة المطهرّة صلّى الله على صاحبها وسلّم أنّه لا يجوز الزيادة على فعل النبيّ عليه الصلاة والسلام بالعبادة، فلا يجوز مثلا أنْ يصلّي الرجل أكثر من ثمان ركعات في الضحى لكنّني اليوم اشتهيت أنْ أصلّي أكثر وأجد في إقبالي وجسمي طاقة لأكثر من عشرين ركعة أو ثلاثين فهل تجوز الزيادة؟ أطال الله بقاءكم.

 

الاسم: عبد القادر الجبوري

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله عزّ وجلّ خيرا على تواصلك مع هذا الموقع المبارك.

لقد اتفق الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّ صلاة الضحى سنّة مؤكّدة من سنن سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، وأقلّها ركعتان.

عن سيّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:-

(أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاَثٍ: صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

ويمكن أنْ تكون أربع ركعات، أو ستّ، أو أكثر من ذلك لورود الروايات.

لكن تعدّدت آراؤهم في أكثرها:-

1- ثمان ركعات، وهو قول ساداتنا المالكية والحنابلة رضي الله سبحانه عنهم وعنكم، لِمَا ثبت عن السيِّدَة أمّ هانئ رضي الله تعالى أنّها قالت:-

(إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلاَةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) الإمام البخاري رحمه الله تبارك اسمه.

(وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِكَرَاهَةِ مَا زَادَ عَلَى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، إِنْ صَلاَّهَا بِنِيَّةِ الضُّحَى لاَ بِنِيَّةِ نَفْلٍ مُطْلَقٍ، وَذَكَرُوا أَنَّ أَوْسَط صَلاَةِ الضُّحَى سِتٌّ) الموسوعة الفقهية (27/225).

2- اثنتا عشرة ركعة، وهو قول ساداتنا الحنفية والشافعية رضي الله تعالى عنهم وعنكم، لقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الجَنَّةِ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

(قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يَجُوزُ الْعَمَل بِهِ فِي الْفَضَائِل.

وَقَال الْحَصْكَفِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، نَقْلاً عَنِ الذَّخَائِرِ الأْشْرَفِيَّةِ: وَأَوْسَطُهَا ثَمَانٍ وَهُوَ أَفْضَلُهَا؛ لِثُبُوتِهِ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

وَأَمَّا أَكْثَرُهَا فَبِقَوْلِهِ فَقَطْ. وَهَذَا لَوْ صَلَّى الأْكْثَرَ بِسَلاَمٍ وَاحِدٍ، أَمَّا لَوْ فَصَل فَكُلَّمَا زَادَ أَفْضَل.

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي أَكْثَرِ صَلاَةِ الضُّحَى إِذْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ أَنَّ أَكْثَرَهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ وَخَالَفَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَحَكَى عَنِ الأْكْثَرِينَ: أَنَّ أَكْثَرَهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ. وَقَال فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ: أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ وَأَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ، وَيُسَلِّمُ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ) الموسوعة الفقهية (27/225).

3- لا حدّ لأكثرها، لِمَا رَوَتْهُ أمُّنَا السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ:-

(كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

قال الإمام السيوطي رحمه الله جلّ في علاه:

قوله (وَيزِيد مَا يَشَاء، هَذَا دَلِيْلٌ لِمَا اخْتَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى لَا تَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ مَخْصُوْصٍ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَى ذَلِك وَقَدْ نَبَّهَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدّيْنِ الْعِرَاقِيّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيّ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَحَادِيْثِ الْوَارِدَةِ فِي أَعْدَادِهَا مَا يُنَافِي الزَّائِدَ وَلَا يَثْبُتُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهَا تَنْحَصِرْ فِي عَدَدٍ بِحَيْثُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ أَنْ أَكْثَرَهَا اثْنَا عَشَرَ الرَّوْيَانِيّ، فَتَبِعَهُ الرَّافِعِيّ، ثُمَّ النَّوَوِيّ، وَلَا سَلَفَ لَهُ فِي هَذَا الْحَصْرِ وَلَا دَلِيْل) شرح الإمام السيوطي على صحيح الإمام مسلم رحمهما الله تعالى (2/340).

والخلاصة:

تجوز الزيادة في صلاة الضحى عند مَنْ لم ير حدًّا لأكثرها.

ولا تجوز على ثمان ركعات، أو اثنتي عشرة ركعة، عند مَنْ قال بهذين العددين إلا إذا نوى نفلا مطلقا، وهذا هو الراجح، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله عزّ شأنه:-

(وَهَذَا الْإِطْلَاقُ (أي وَيزِيد مَا يَشَاء) قَدْ يُحْمَلُ عَلَى التَّقْيِيدِ فَيُؤَكِّدُ أَنَّ أَكْثَرَهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً) فتح الباري (3/54).

هذا فيما يخصّ صلاتها بنيّة سنّة الضحى، أمَّا إنْ نويت تطوّعا فلا حدّ لأكثره، والذي أرجحه – والله جلّ وعلا أعلم – في هذا المقام: أنْ تصلّي الضحى اثنتي عشرة ركعة، ثمّ تصلّي ما زاد بنيّة التطوّع.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على مَنْ أرسل رحمة للعالمين، سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه المخلصين.

والله جلّ جلاله أعلم.