2020-05-08

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيّدي وقرّة عيني أسعدكم الله في الدارين

أسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقكم ويمكنكم بما يحبه ويرضاه، أعتذر سيّدي لكن علمتمونا أنْ لا يمنعنا الحياء من أنْ نسألكم في أمور ديننا…

في كثير من الأحيان ألاطف الأهل وأمزح معهم مودة ورحمة وألفة وأداعبهم، وأحيانا حتى وقت عملهم في المطبخ… وأرى أنّ ذلك يغيّر من نفسيتهم ويهون عليهم التعب.

فهل ذلك يفسد الوضوء إن لم يخرج شيء؟ (علما أنني محتاط وأعلم إن يخرج شيء أم لا) وهل ذلك يفسد الصيام؟ وما حكمه عند الصيام؟ إنْ خرج شيء أو لا، دون الإنزال.. – أكرمكم الله- علما أنني أملك نفسي…

أفتوني مأجورين.

 

الاسم: خويدم

 

 

الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وأشكرك على دعواتك الطيّبة وأدعو الله القدير لك بمثلها وزيادة، إنّه قريب مجيب.

قبل الإجابة على السؤال أقول:-

إنَّ ملاطفة الزوج للزوجة، والاهتمام بها، والجلوس معها، والتحدث إليها ومداراتها، بحيث لا تترك وحيدة، تعاني من الفراغ والوحدة، وبالشكل المذكور في السؤال، شيء محمود في الشرع الشريف لأنَّه من المعاشرة بالمعروف التي أمر الله جلّ في علاه بها فقال:-

{— وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ —} [النساء: 19].

وهي اقتداء بحضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين القائل:-

(خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى.

ولا شكَّ في أنَّها يضفي جمالا ولطافة على الأسرة، سيّما إذا كان في خدمتها سواء في المطبخ أو غيره، وهذا من خلق سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام فقد كان في خدمة أهله.

سُئلت أمّنا عائشة رضي الله تعالى عنها فقيل لها:-

(مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وفي رواية أخرى قالت:-

(كَانَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ) الإمام البيهقي رحمه الله تبارك اسمه.

وممّا يؤسَف له أنَّ بعض الأزواج لا يلتفتون إلى الوصايا العظيمة التي أوصى بها سيّدنا رسول الله عليه وآله وصحبه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم في حقّ النساء والإحسان إليهنّ وإكرامهنّ.

ومن هنا أوجّه كلّ زوج من المسلمين بشكل عام، والأحباب السالكين بشكل خاص، أنْ يتخلقوا بهذا الخلق النبويّ الشريف، لعلّ الرحمة والمودّة والسكينة والطمأنينة تسود البيوت، ويعلموا أنَّ ملاطفة الزوجة ومداعبتها والتحدّث إليها ومؤانستها، كلّ ذلك يمدّ الحياة الزوجية بالسعادة والاستقرار، لأنّها مبنية في الأصل على التآلف وحسن العشرة بين الزوجين، وسعي كلّ منهما إلى إسعاد الطرف الآخر بالقول والفعل، وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1759) في هذا الموقع المبارك.

أمّا ما يخصّ سؤال جنابك فينبغي أنْ أنبّه على أنَّ الصائم يجب عليه أنْ يتجنّب كلّ ما من شأنه إثارة شهوته التي امتدح اللهُ جلّ شأنه الصائمَ بتركها تقربًا إليه سبحانه، كما جاء في الحديث الشريف:-

(كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ: إِلَّا الصِّيَامَ، فَهُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ الطَّعَامَ مِنْ أَجْلِي، وَيَدَعُ الشَّرَابَ مِنْ أَجْلِي، وَيَدَعُ لَذَّتَهُ مِنْ أَجْلِي، وَيَدَعُ زَوْجَتَهُ مِنْ أَجْلِي —) الإمام ابن خزيمة رحمه الله عزّ وجلّ.

قال الإمام الشيرازي رحمه الله جلّ وعلا ما نصّه:-

(ومَنْ حَرَّكَتِ القُبْلَةَ شهوته كُرِهَ لَهُ أنْ يُقَبِّل وهو صائم، والكراهة كراهية تحريم، وإنْ لم تكن تحرّك القُبْلَة شهوته، قال الشافعي رحمه الله: فلا بأس به، وتركها أولى، والأصل في ذلك ما روت عائشة رضي الله عنها: قالت: كان رسول صلى الله عليه وسلم يُقَبِّل وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنّه أرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب، ولأنّ في حقّ أحدهما لا يؤمن أنْ ينزل فيفسد الصوم، وفي الآخر يؤمن ففرّق بينهما) المهذب في فقه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (1/341).

وخلاصة الأمر، في حدود ما ذكرت في سؤالك فلا يفسد الصوم ولكن ينقض الوضوء بكلّ الأحوال سواء خرج شيء أم لم يخرج، إذا لامَسْتَها خروجا من الخلاف.

ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (581، 944) في الموقع المبارك.

وأود أنْ أنصحك نصيحة مشفق محبّ بضرورة الحذر من ملاطفة زوجتك في المطبخ بمثل العبارات التي تتردد على ألسنة غالب الأزواج، والتي تعبّر عن الرغبة في الزواج الثاني فتقول لها مثلا (إنّي أفكّر أنْ أتزوج من امرأة أخرى لتساعدكِ في هذا العمل الشاق، أو أنّ الله تعالى أباح الزواج بأكثر من واحدة، —) لأنّ المكان خطيرٌ فأخشى عليك ردّة الفعل (طعنًا بسكين، أو رميًا بقِدْر، أو ضربًا بساطور) أحببتُ ملاطفتكم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد دائم البِشْر، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.

والله تبارك اسمه أعلم.