2020-05-08

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي.

جزاكم الله كلّ خير على هذا الموقع المبارك وأدامكم الله لنا وللناس أجمعين.

عفوا سيّدي إذا بقيت المساجد مغلقة إلى صلاة عيد الفطر فماذا نفعل هل نصلّي صلاة العيد في البيت مع العائلة أم لا؟  

وجزاكم الله تعالى كل خير سيدي

 

الاسم: مصطفى نبيل

 

الرد:

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

شكراً لك على دعواتك وتواصلك مع هذا الموقع المبارك واهتمامك بأمر مهم من شعائر الإسلام الحنيف.

قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

فمن باب حسن الظنّ بالله جلّ في علاه والفأل الحسن والأمل به سبحانه ثمّ بدعوة الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين والمتضرعين أسأله جلّ جلاله أنْ تعود مساجدنا في هذا الشهر الفضيل مفتَّحة الأبواب عامرة بالصالحين من أمثالكم، ويصدح التكبير من مناراتها بحناجر الفرحين بفطرهم، إنّ ربي على كلّ شيء قدير وبالإجابة جدير.

الأصل في صلاة العيد الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة والإجماع، أمّا الكتاب الكريم، فقوله عزّ شأنه:-

{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2].

وقوله:-

{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15].

والصلاة الواردة في الآية الكريمة: صلاة العيد كما قال بعضُ المفسرين رحمهم الله تعالى.

قال سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله سبحانه عنهما:-

(شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وقال الإمام السرخسي رحمه الله عزّ وجلّ من السادة الحنفية رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

(وَقَالَ فِي الْأَصْلِ: لَا يُصَلَّى التَّطَوُّعُ فِي الْجَمَاعَةِ مَا خَلَا قِيَامَ رَمَضَانَ وَكُسُوفَ الشَّمْسِ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَلَكِنَّهَا مِنْ مَعَالِمِ الدِّينِ أَخْذُهَا هُدًى وَتَرْكُهَا ضَلَالَةٌ) المبسوط (2/37).

وهي واجبة على الكفاية عند السادة الحنابلة، وسنّة مؤكدة عند ساداتنا المالكية والشافعية رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

ولعلّ عناية المسلمين بهذه الشعيرة العظيمة والسمة البارزة لأنّ النبيّ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ اهتمّ بها ودعا النّاس إليها، رجالاً ونساءً، صغاراً وكبارًا، يحضرونها في المصلّى لأنّ المسجد لا يسع كثرتهم، وشملت الدعوة ذوات الأعذار مع أنّهنّ لا يصلّين، ليشهدن الخير مع الآخرين، وتختلط أنفاسهنّ بأنفاس الملائكة الكرام فهو يوم الجائزة من الله جلّ في علاه لعباده، فعَنِ السَّيِّدَةِ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْها قَالَتْ:-

(أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاَةَ وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لاَ يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا) الإمام مسلم رحمه الله عزّ جاره.

وقَالَ سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ الصدِّيق رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ:-

(حَقٌّ عَلَى كُلِّ ذَاتِ نِطَاقٍ الْخُرُوجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ) الإمام ابن ابي شيبة رحمه الله تعالى.

والمسلم إذا فاتته صلاة العيد جماعة لعذر فهو أمام خيارين:-

الأوّل: إمّا أنْ يصلّي ركعتين بنفس هيئة صلاة العيد، أي بزيادة سبع تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام، وفي الركعة الثانية يكبّر خمسًا بعد تكبيرة القيام، يقول بين كلّ تكبيرة وأخرى:-

(سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

ثمّ يشرع بقراءة الفاتحة وما تيسّر من القرآن الكريم، كما ورد عن أبي بكرِ بنِ سيّدنا أنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله تعالى عنهما قال:-

(كَانَ أنَسٌ إِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةُ العِيْدِ مَعَ الإمَامِ جَمَعَ أهْلَهُ فَصَلَّى بِهِمْ مِثْلَ صَلَاةِ الإِمَامِ فِي العِيْدِ) الإمام البيهقي رحمه الله عزّ شأنه.

وعن سيّدنا عطاء رحمه الله تعالى قال:-

(يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُكَبِّرُ) الإمام ابن ابي شيبة رحمه الله عزّ وجلّ.

لكن يشترط لهذه الهيئة أنْ تكون في نفس وقت صلاة العيد، في اليوم الأول، يصليها لوحده أو مع أهل بيته خاصّة، دون دعوة أحد إليها.

الثاني: يصليها أربع ركعات بتسليمة واحدة، أو بتسليمتين، لكن بتسليمة أفضل، سواء في اليوم الأوّل من العيد، أو اليوم الثاني، أو الثالث، لأنّها قضاء، لما روي عن سيّدنا عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال:-

(مَنْ فَاتَهُ العِيْدُ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا) الإمام ابن ابي شيبة رحمه الله جلّ وعلا.

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى:-

(وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَإِنْ أَحَبَّ فَصَلَ بِسَلَامٍ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ). وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، قَامَ بِهَا مَنْ حَصَلَتْ الْكِفَايَةُ بِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ قَضَاءَهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ صَلَّاهَا أَرْبَعًا، إمَّا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ وَإِمَّا بِسَلَامَيْنِ.

وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ الْعِيدُ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا، وَمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا) المغني (2/289).

فالأمر فيه سَعَةٌ والحمد لله ربّ العالمين.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّد المرسلين، نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

والله تبارك اسمه أعلم.