2020-05-08

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
عفوا سيّدي الكريم، أبارك لكم ولجميع الأحباب شهر رمضان المبارك.
سيّدي قد من الله سبحانه وتعالى عليّ بختم القرآن الكريم مرّة ومرتين في رمضاناتٍ سابقة ولله جلَّ جلاله الحمد والشكر، وكذلك أحفظُ أجزاءً من القرآن الكريم وسورا متفرقة ولكنّي أحتاج للمراجعة، فهل أقتصر في هذا الشهر الكريم على ختمة واحدة مع مراجعة حفظي القديم، أم أُركّز على التلاوة فقط وبعد تمام الشهر المبارك بإذن الله تبارك وتعالى أستأنف المراجعة والحفظ؟
شكرا سيّدي أدام الله سبحانه وتعالى عليكم نعمة العافية وحفظكم من كل مكروه وشرّفنا والأحباب في هذا الشهر العظيم بأنوار سيّد السادات سيّدنا محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقظة ومناما ببركات توجهاتكم الشريفة.

الاسم: سائل

 

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
مبارك عليكم هذا الشهر الفضيل، أسأل الله جلّ في علاه أنْ يتقبّل منكم طاعاتكم ودعواتكم ويوفقكم لكلّ خير إنّه سبحانه سميع مجيب.
قال الحقّ جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} [سورة الإسراء: 45].
وقال صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ، وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
إنّ تلاوة كتاب الله عزّ وجلّ عبادة عظيمة يحصل القارئ بكلّ حرف منه على عشر حسنات، قال عزّ من قائل:-
{— وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 261].
قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.
وهذا الحديث الشريف يثبت الأجر لتالي الحرف ضمن التركيبة القرآنية بنيّة التعبّد في التلاوة، ولا فرق في ذلك بين أنْ يقرأ الآية وينتقل إلى غيرها، أو يبقى يكرّرها لأجل حفظها، ففي الحالين هو تالٍ للقرآن الكريم، وما يقرؤه في نصف ساعة مثلا على سبيل التكرار هو نفس المقدار الذي سيقرؤه على سبيل الاستمرار، وعليه يتساوى أجر القراءتين من حيث عدد الحروف المتلوّة، إلّا أنّ القراءة للحفظ تفضل القراءة التي هي فقط للتلاوة من حيث بقاء أثرها في التالي حفظا ونورا وبركة مع وجوب محاولة الفهم؛ لأنّ الحفظ له أجر آخر غير أجر التلاوة، إذ يشمل الحافظ وذويه، قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، نَبَتَ لَهُ غَرْسٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَكْمَلَهُ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أَلْبَسَ وَالِدَيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَاجًا هُوَ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتٍ مِنْ بُيُوتِ الدُّنْيَا، لَوْ كَانَتْ فِيهِ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تبارك اسمه.
وممّا يأتي يظهر عِظَمُ ثَوَابِ التلاوة في شهر رمضان نظرًا لعِظَمِ مكانته وفضله، فينبغي الإكثار فيه من تلاوة القرآن الكريم ومدارسته؛ قال ربّنا تقدّست أسماؤه:-
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ —} [سورة البقرة: 185].
وعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:-
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا.
قال الإمام النووي رحمه الله عزّ جاره:-
(قَالَ أَصْحَابُنَا السُّنَّةُ كَثْرَةُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ وَمُدَارَسَتِهِ وَهُوَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَقْرَأَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ) المجموع شرح المهذب (6/377).
ثمّ إنّ الحفظ والمراجعة هو قراءة وزيادة؛ لأنّ القارئ لن يحفظ أو يراجع إلا بعد تكرار قراءة الآية عدّة مرّات، وله بكلّ حرف عشر حسنات ويتضاعف الاجر بالفهم والتطبيق والامتثال فهذه هي الغاية العظمى من تلاوة القرآن الكريم وهي ترسيخ المعاني في قلب التالي أو الحافظ فإذا خلا أحدهما من هذا بقي أجر التلاوة وهي من كرم الله سبحانه على عباده.
قال الحافظ علي القاري رحمه الباري جلّ ذكره تعليقا على حديث:-
(يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ جلاله.
(وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَنَالُ هَذَا الثَّوَابَ الْأَعْظَمَ إِلَّا مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَأَتْقَنَ أَدَاءَهُ وَقِرَاءَتَهُ كَمَا يَنْبَغِي لَهُ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصَّاحِبَ هُوَ الْحَافِظُ دُونَ الْمُلَازِمِ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْمُصْحَفِ، قُلْتُ: الْأَصْلُ فِيمَا فِي الْجَنَّةِ أَنَّهُ يَحْكِي مَا فِي الدُّنْيَا، وَقَوْلُهُ فِي الدُّنْيَا صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُلَازِمَ لَهُ نَظَرًا لَا يُقَالُ لَهُ صَاحِبُ الْقُرْآنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ لِمَنْ لَا يُفَارِقُ الْقُرْآنَ فِي حَالَةٍ مِنَ الْحَالَاتِ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/1469).
وخلاصة الأمر:
١- إنّ حصول الأجر من الله الكريم بمجرّد القراءة سواء كان بفهم للمعاني أو لا.
٢- إذا حصل الفهم كان الأجر أكبر وأعظم، سواء كان قارئا أو حافظا، وذلك بوجوب العمل ووجوب التزام الأمر الإلهي على الاثنين حتى لا يكونا ممّنْ ينطبق عليهما قول القائل:-
(رُبَّ قَارِىءٍ لِلْقُرْآنِ وَالقُرْآنُ يَلْعَنُهُ) وذلك بعدم التزام أوامره ونواهيه.
٣- على التالي والحافظ أنْ يسعيا لفهم المعاني جهد القدرة والتيسير ولا يكتفيا بمجرّد التلاوة والحفظ لكتاب الله عزّ وجلّ.
فقد ورد عن الصحابة الكرام وهم السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم وعليكم أجمعين أنّهم كانوا إذا حفظوا عشرَ آيات لا ينتقلون إلى غيرها إلّا بعد تطبيقها، فَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-
(حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ، فَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، قَالُوا: فَعَلِمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ) الإمام أحمد رحمه الله سبحانه.
٤- أنْ لا يكون الحافظ كآلة تسجيل بلا روح، غايته المسابقة في الحفظ لنيل مكاسب دنيوية زائلة، أو ليقال عنه حافظ، أو ليكثر من الختمات فقط ليُقال عنه ختم القرآن الكريم، فهذا مخالف للشرع الشريف، فقد امتدح الله جلّ في علاه عباده الصالحين فقال:-
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [سورة الأنفال: 2].
وذلك بالتصديق، وكيف يكون التصديق دون فهم؟
وأمرنا بالإنصات والاستماع فقال:-
{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [سورة الأعراف: 204].
ومعنى الإنصات، الإصغاء مع حضور القلب واستشعار عظمة الربّ تبارك اسمه من التالي والسامع، كلّ على حدة، لحصول التجلّي من الباري جلّ جلاله على عباده.
ففيض البركات القدسية، والأسرار النورانية، الظاهرة والباطنة من كلام الله عزّ شأنه، يحصل بتمام الإقبال على استقبال هدايات القرآن الكريم الذي قال الله تعالى عنها:-
{الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة: 1، 2].
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّد ولد عدنان، نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والعرفان.