2020-05-05

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قبل السؤال أسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم أنْ يرضى عنكم ويجزيكم كلّ خير على هذا المجهود الذي تقدمونه في هذا الموقع المبارك، سؤالي هو:-

امرأة ملتزمة بالشريعة الغرّاء التزاما شديدا وهي تصوم رمضان ولكنّ زوجها يفطر أيام رمضان بدون عذر شرعي ويطلب منها أنْ تعمل له الطعام في نهار رمضان وأحيانا يجبرها على ذلك فإذا عملت له الطعام فهل تؤثم على ذلك؟ وجزاكم الله ألف خير

 

الاسم: أبو مصطفى

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الصادقة، وبعد:-

فلا شكّ أنّ الفطر في رمضان بغير سبب شرعيّ كبيرة، وإثم عظيم، لأنّ تَعمّدَ الفطر انتهاكٌ لحرمة هذا الوقت المبارك، وجحودٌ بهذا الركن العظيم، الذي أمر الله تعالى بالالتزام به في قوله الكريم:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة: 183].

وحقّ هذه الشعيرة المباركة تنفيذها وتعظيمها، قال جلّ وعلا:-

{ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوْبِ} [سورة الحج: 32].

ولقد حذّر العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم من الإفطار عمداً في رمضان من غير مرض أو سفر، فقالوا:-

(وعند المؤمنين مقرّر أنّ مَنْ ترك صوم رمضان بلا مرض ولا غرض (أي بلا عذر يبيح ذلك) أنّه شرّ من الزاني ومدمن الخمر، بل يشكّون في إسلامه، ويظنّون به الزندقة والانحلال) الكبائر للإمام الذهبي رحمه الله الغني جلّ جلاله.

ولقد شدّد بعض الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في هذه المسألة لخطرها وإثمها الكبير؛ فقالوا بعدم جواز تقديم الزوجة الطعام والشراب لزوجها المفطر في نهار رمضان، وليس له عذر يبيح له الفطر من مرض أو سفر، وليس لها أنْ تعينه على ما حرّم الله جلّ في علاه، ولو غضب الزوج أو طلّق؛ لأنّ طاعة الله سبحانه مقدّمة على طاعة الكلّ (الزوج، الأب، الأم، السلطان) لقول سيّدنا الرسول عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه العدول:-

(إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وقال أيضًا:-

(لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) الإمام أحمد رحمه الله الممجد عزّ شأنه.

وإنّ تحضير الطعام للمفطر عمداً هو من باب التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله جلّ وعلا عن ذلك بقوله:-

{وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة المائدة: 2].

ولكن ينبغي لنا أنْ نتعامل مع هذا الزوج كما الشخص المريض، ونسعى بعلاجه رغبة بصلاحه وحفاظاً على العوائل والأُسر المسلمة من التفكّك والضياع ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وعليه فإنّ تعامل الزوجة المسلمة مع هكذا زوج ينبغي أنْ يكون بالرحمة والحكمة والصبر، فكما أنّ مريض الجسد ينبغي أنْ يُرحم ويصبر ذووه عليه، ويتحلوا بالحكمة في معالجته، وإقناعه بالدواء، فكذا مَنْ كان مريضاً في روحه أو فكره، والزوجة أحقّ النّاس بالصبر على زوجها والسعي على علاجه، ولذا ينبغي على جنابك ما يأتي:-

أولاً: أنْ تبتعدي عمّا يغضب زوجك ويهيّجه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وتبيّني له خطورة الإفطار في رمضان بدون عذر، وأنّ هذا ممّا يوجب سخط الله سبحانه، وتذكيره بما ذكرته أعلاه وغيره ممّا في الشريعة الغرّاء من نصوص الترغيب في الصوم والترهيب من تركه، أو ابعثي له بعض المقاطع اللطيفة المحبّبة في الصوم، وشجّعيه على التواصل مع هذا الموقع المبارك.

ثانياً: تضرّعي إلى ربّك جلّ ذكره بالدعاء، واستثمري هذه الأوقات المباركة، وفي حالة السجود، وأوقات الإجابة، أنْ يصلح الله تعالى لك زوجك، ويرزقه الاستقامة، وألحّي على الله الكريم عزّ جاره بالدعاء، ولا تضجري من الإكثار منه، ولا تيأسي أبدا، ولا تفقدي الأمل؛ فلقد هدى الله جلّ في علاه عتاة وصناديد كانوا عُبّاد أوثان وقطّاع طرق.

ثالثاً: تواصلي مع محارمك الملتزمين، وخاصّة الذين يحترمهم ويصغي لنصحهم، واطلبي منهم الزيارة إلى بيتك لتقديم النصح لزوجك بخصوص الصيام، ولا يشعرونه بأنّك مَنْ طلب ذلك منهم، ولتكن زيارتهم منفردين، لا أنْ يأتوا جميعاً في وقت واحد.

رابعاً: يسّري له أسباب الصيام، وذكّريه به بأسلوب حسن وملاطفة حتى يلتزم بها شيئاً فشيئاً.

خامساً: لا بأس أنْ تتواصلي مع زميلاتك ممّن لهنّ أزواج ملتزمين، واطلبي منهم زيارتكم إلى البيت، واطلبي من زميلاتك أن يكلفنّ أزواجهن بنصح زوجك ومصادقته، وتبادل الزيارات بينكم، فالصاحب له تأثير كبير وصدق سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه القائل:-

(المَرْءُ عَلَى دِيْنِ خَلِيْلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد سبحانه.

سادساً: الزمي الاستغفار فهو سبب لتفريج الكروب كما قال حضرة النبيّ المحبوب عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أتقياء القلوب:-

(مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود عزّ وجلّ.

وأخيراً: صحيح أنّ تقديم الطعام للمفطر عمداً منهيٌّ عنه، ولكن إنْ قام زوجك بإجبارك، وخفت أنْ يلحقك منه ضرر إنْ لم تفعلي كأنْ يضربك مثلاً فلا حرج عليك حينئذٍ بإذن الله جلّ في علاه، ويُعتبر هذا من باب الإكراه، لقول الرحمة المهداة صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) الإمام البيهقي رحمه الله عزّ شأنه.

وأرجو لمزيد فائدة مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2129، 2481) في هذا الموقع المبارك.

أسأل الله جلّ وعلا أنْ يُصلح زوجك ويهديه لأحسن الأخلاق، ويوفقك لحُسن التبعّل له إنّه سبحانه ولي التوفيق.

وصلّى الله تعالى وسلّم على النبيّ الشفيق، سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أهل الحق والتحقيق.

والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.