2020-05-03

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أسأل تعالى أنْ يكرمكم سيّدي الشيخ ويغفر لنا بسوء أدبنا معكم فقد اتعبناكم بمشاكلنا وأسئلتنا.

أنا امرأة متزوجة وعندي ست أولاد وأحفاد، والحمد لله تعالى الحالة الزوجية جيدة وزوجي الحمد لله تعالى مثقّف والنّاس كلّها تحترمه، ولكن المشكلة أنّه كثير الجماع إلى درجة أتعبني فيها، والمشكلة الأكبر أنّه أجبرني على الجماع في رمضان، فمن مجموع خمسة أيّام أفطرنا يومين بسبب الجماع، وإني أنصحه وأذكره دون جدوى، فأرجو من جنابكم الكريم التفضّل بتوجيه النصيحة لي وله وماذا عليَّ أن أعمل، ولكم كلّ الشكر والامتنان.

أمَة الله.

 

الاسم: أمة الله

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يغفر لنا تقصيرنا، ويرزقنا حسن الأدب مع الخلق أجمعين، برحمته وفضله، إنّه سبحانه لا يخيّب رجاء السائلين.

الصوم فريضة الله عزّ وجلّ على عباده، وله أحكام كثيرة منها:-

الإمساك عن الجماع وهو من مفطرات الصوم، بل هو أعظمها باتفاق الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، قال الله جلّ اسمه:-

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ —} [سورة البقرة: 187].

ومعنى الرفث في الآية الكريمة: الجماع، فقوله جلّ في علاه (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) دليل على تحريمه في نهار رمضان للصائم.

ونصيحتي لزوجك الذي يبدو أنّه على ثقافة ووعي بدين الله جلّت صفاته:-

1- أنْ يعرف أنّه فعل محرّما، وأرجو أنْ يتمعّن في هذا الكلام لا أنْ يمرّره مرورا بفكره، بل يفهم أنّه عصى الإله القادر فتعدّى حدوده، والله جلّ جلاله يقول:-

{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14].

وقال حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-

(مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

2- أنْ يعلم أنّه ارتكب كبيرة من الكبائر، وإنّما أفردت هذه المسألة بالذكر مع أنّ الكبائر من المحرّمات؛ لأنّ الكبائر يكون المرء فيها على خطر، يمكن أنْ يفهم جانب منه من قوله تعالى:-

{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31].

فمرتكب الكبيرة فوّت على نفسه فرصا طيّبة في المغفرة.

ودلّت السنّة المشرّفة على هذا الوعيد الشديد أيضًا، فعن سيّدنا أبي أمامة الباهليّ رضي الله سبحانه عنه قال:-

(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ، فَأَخَذَا بِضَبْعَيَّ، فَأَتَيَا بِي جَبَلًا وَعْرًا، فَقَالَا لِي: اصْعَدْ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي سَوَاءِ الْجَبَلِ، فَإِذَا أَنَا بِصَوْتٍ شَدِيدٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الْأَصْوَاتُ؟ قَالَ: هَذَا عُوَاءُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ —) الإمام ابن حبّان رحمه الرحمن جلّ جلاله.

ومعنى قوله: قبل تحِلّة صومهم: أي يُفطرون قبل وقت الإفطار.

3- أنْ يتفكّر بأنّه سيتحمّل إثمًا مضاعفًا بإكراهك على الإفطار، فليس للزوج أنْ يطأ زوجته، لا بالرضا ولا بالإكراه في نهار رمضان.

4- إنّ عليه التوبة والعزم على ألّا يقع منه ذلك في المستقبل، فمَنْ لقي الله عظمت صفاته بالكبائر دون توبة: فهو في مشيئة الله تبارك اسمه، إنْ شاء عذّبه، وإنْ شاء غفر له؛ لقول ربّنا جلّ وتقدّس:-

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سورة النساء: 48].

5- أنْ يبتعد عمّا يثير شهوته، وأنْ لا يفرط في الطعام، قال الإمام الغزالي عليه الرحمة والرضوان من الربِّ المنّان:-

(كَيْفَ يُسْتَفَادُ مِنَ الصَّوْمِ قَهْرُ عَدُوِّ اللَّهِ وَكَسْرُ الشَّهْوَةِ إِذَا تَدَارَكَ الصَّائِمُ عِنْدَ فِطْرِهِ مَا فَاتَهُ ضَحْوَةَ نَهَارِهِ وَرُبَّمَا يَزِيدُ عَلَيْهِ فِي أَلْوَانِ الطَّعَامِ حَتَّى اسْتَمَرَّتِ العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فِيهِ مَا لَا يُؤْكَلُ فِي عِدَّةِ أَشْهُرٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَقْصُودَ الصَّوْمِ الْخَوَاءُ وَكَسْرُ الْهَوَى لِتَقْوَى النَّفْسُ عَلَى التَّقْوَى وَإِذَا دُفِعَتِ الْمَعِدَةُ مِنْ ضَحْوَةِ نَهَارٍ إِلَى الْعِشَاءِ حَتَّى هَاجَتْ شَهْوَتُهَا وَقَوِيَتْ رَغْبَتُهَا ثُمَّ أُطْعِمَتْ مِنَ اللَّذَّاتِ وَأُشْبِعَتْ زَادَتْ لَذَّتُهَا وَتَضَاعَفَتْ قُوَّتُهَا وَانْبَعَثَ مِنَ الشَّهَوَاتِ مَا عَسَاهَا كَانَتْ رَاكِدَةً لَوْ تُرِكَتْ عَلَى عَادَتِهَا) إحياء علوم الدين (1/235).

6- أن يستشعر فضل الله عزّ اسمه عليه بأنْ أباح له المفطرات بعد الغروب إلى الفجر، فقد ذكر الإمام ابن كثير رحمه ربّنا الكبير أنّه:-

(كَانَ النَّاسُ فِي رَمَضَانَ إِذَا صَامَ الرَّجُلُ فأمسَى فَنَامَ، حُرّم عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ حَتَّى يُفْطِرَ مِنَ الْغَدِ. فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ سَمَرَ عِنْدَهُ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ نَامَتْ، فَأَرَادَهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ نِمْتُ! فَقَالَ: مَا نِمْتِ! ثُمَّ وَقَعَ بِهَا، وَصَنَعَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ. فَغَدَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جلّت قدرته: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [سورة البقرة: 187]) تفسير القرآن العظيم (1/521).

7- إنْ تكرّر منه الجماع في يومين فأكثر فتلزمه كفاّرة، لكلّ يوم جامع فيه سواء كفّر عن الجماع الأوّل أم لا، كما ذهب إلى ذلك جمهور أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم؛ لأنّ صوم كلّ يوم عبادة منفردة مستقلة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل.

ولمعرفة كفّارة الجماع في رمضان، أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (237) في هذا الموقع الكريم.

أمّا نصيحتي لكِ حفظكِ الله تعالى:-

1- أنْ تتوجهي لله جلّت ذاته بالدعاء ليصلح حاله ويهدي قلبه.

2- ليس لك أنْ تطيعيه في ذلك، بل يجب أنْ تمتنعي غاية الامتناع، ولا تمكنيه سخط أم رضي، لأنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه إلا إذا أجبرك فلا إثمَ ولا كفارة عليكِ.

3- كما أنّ عليكما الإمساك عن المفطرات؛ احتراما للوقت.

أسأل الله جلّ ثناؤه مالك القلوب أنْ يلهم زوجك رشده ويهدي قلبه، إنّه هو القويّ القادر تعالى شأنه.

وصلِّ اللهمّ على رحمتك المهداة، ونعمتك المسداة، سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم.

والله تباركت ذاته أعلم.