2020-04-23

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي الكريم.

لقد تشرفت بقراءة حديث سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:

(إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ)

فهل يعني هذا أنّه يجوز للصائم أنْ يشرب الماء حتى لو سمع الأذان لصلاة الصبح؟ مع جزيل الشكر والتقدير.

 

الاسم: عباس

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته أخي الحبيب.

وجزاكم الله جلّ وعلا خيرا على دعواتكم الصادقة، وزيارتكم لهذا الموقع المبارك.

قال الحقّ عزّ شأنه:-

{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ —} [البقرة: 187].

الحديث النبويّ الشريف الذي ذكرته رواه الإمام أبو داود رحمه الله المعبود جلّ جلاله في سننه.

ولأجل أنْ نعرف المراد منه لابدّ أنْ نعلم أوّلا أنّ الأذان في زمن سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام أذانَان، الأوّل يرفعه سيّدنا بلال، والثاني سيّدنا عبد الله بن مكتوم رضي الله جلّ وعلا عنهما، قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وكلا الأذانين كانا للفجر، لكنّ الأول عند طلوع الفجر الكاذب وهو ما يباحُ للصائم فيه الأكل والشرب، والثاني عند طلوع الفجر الصادق ويُوجِبُ الإمساكَ على الصائم، وسبب هذين الأذانين ذكره العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم فقالوا: ليرجع القائم، ويتنبه النائم.

لذا فإنّ المراد بالنداء الوارد في الحديث الشريف: الأوّل وهو أذان سيّدنا بلال رضي الله تعالى عنه، وهذا هو الراجح.

قال الامام النووي رحمه الله عزّ وجلّ:-

(ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ طَلَعَ الفَجْرُ وَفِي فِيْهِ (فَمِهِ) طَعَامٌ فَلْيَلْفِظْهُ وَيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِن ابْتَلَعَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالفَجْرِ بَطلَ صَوْمُهُ) المجموع (6/333).

فإذا تحقق الصائم طلوع الفجر الثاني وواصل الأكل والشرب فقد فسد صيامه وعليه القضاء.

وقال بعضهم: حتى لو كان المراد بالنداء: الثاني، فإنّه يخصّ الشاكّ في طلوع الفجر وبقاء الليل إذا تردّد فيهما فيجوز له الأكل لأنّ الأصل بقاء الليل عنده.

وحمله الإمام المناوي رحمه الله عزّ شأنه على أنّ المراد بالأذان، أذان المغرب، أي إذا سمع أحدكم نداء المغرب وكان الإناء في يده فليبادر بالأخذ منه تعجيلا للفطر رحمة بالصائم، لأنّ استدراك حاجته واستشراف نفسه وقوّة نهمته وتوجّه شهوته ممّا يكاد يخاف عليه منه.

وأقول وبالله جلّ وعلا التوفيق:

إنّ المواقيت في زماننا ضبطت بشكل كبير، وبدقة متناهية، وذلك بسبب نعمة تطوّر الأجهزة الكاشفة عن الظواهر الكونية، ومنها: مواقيت الصلاة، والتقدّم الهائل في هذا الميدان، ومجال صناعة الساعات بفضل الدراسات الشاملة والأبحاث المعتمدة.

ومن هنا فإنّ المؤذن اليوم لا يجد مشقة في معرفة دخول الوقت، بخلاف ما كان عليه في السابق، إذ إنّ معرفة الوقت كانت تعتمد على نظر المؤذن وفقهه، ومَنْ يعينه على ذلك، ولله جلّ وعلا الفضل والمنّة.

وصلّى الله تعالى وسلّم على قائد الخلق وممهّد السُّنَّة، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه الذين كانوا لهذا الدِّيْن حِصْنًا وجُنَّة.

والله تبارك اسمه أعلم وأحكم.