2020-03-27

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

حفظكم الله تعالى ورضي عنكم وأطال في عمركم ونفعنا بحضرتكم اللهم آمين يا رب العالمين.

سيّدي نسمع أحيانا أنّ شخصا ما قد توفي ثمّ عادت له الروح فعادت له الحياة وكلنا يعلم الآية الكريمة (لكلّ أجل كتاب) هذا الشيء نسمعه في الزمن الحاضر فهل من الممكن حدوث هذا الأمر؟ وجزاكم الله تعالى خيرا.

 

الاسم: أم رحمة

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله جلّ وعلا لنا ولكم الحفظ والرعاية، وطول العمر في حسن عمل، إنّه نعم المجيب لمَن دعاه.

فالموت قضاء الله جلّ جلاله الذي لا مهرب منه، قال قابض الأرواح تبارك اسمه:

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةٌ المَوْتَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 185].

وهو مؤجل بأجل لا يتقدم ولا يتأخر، قال ربّنا جلّت ذاته:

{— فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [سورة الأعراف: 34].

ورجوع الميت إلى الحياة الدنيا والعيش مرّة أخرى والمخاطبة بالتكاليف الشرعية كغيره من النّاس لا يمكن من حيث الأصل، وبذلك جرت سنّة الله سبحانه في خلقه، قال المهيمن عزّ وجلّ:

{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 95].

قال الإمام ابن كثير رحمه ربّنا الكبير جلّت صفاته:

{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ} يعني: قدرا مقدرا أنّ أهل كل قرية أهلكوا أنّهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة.  التفسير العظيم (5/372).

وقال القادر تقدّست ذاته:

{وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [سورة المنافقون: 10-11].

فمجرد تأخير الموت غير واقع، فأولى ألا يقع لها العود إلى دار الدنيا، بعد انتقالها إلى دار الآخرة.

وعن سيّدنا جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله جلّ اسمه عنهما، قَال:

(لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي قُتِلَ يَومَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا. فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ) الإمام الترمذي رحمه ربّنا العلي.

فالحديث الشريف دلّ على أنّه لا يمكن للميت الرجوع إلى الحياة، فسيّدنا عبد الله رضي الله تعالى عنه تمنّى الرجوع للدنيا من أجل الاستزادة من العمل الصالح، فأخبره الله سبحانه بأنّ قضاءه السابق في عباده أنّ ذلك لا يكون، هذا مِن حيث الأصل.

أمّا ما استُثني وكان بعد الموت حقيقة، فهو ما صحّ في كتاب الله عزّ كماله، أو سنّة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله الكرام وسلّم، فإنّما وقع معجزة لنبيّ مِن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو كرامة قصّها الله جلّ ثناؤه في كتابه، أو أخبر به نبيّ من أنبيائه عليهم السلام، لحاجة الناس إليها في زمانها، أو حجة يقيم الله جلّ وعلا بها أمرا مِن الحق على الناس في وقتها، كإحياء سيّدنا عيسى عليه الصلاة والسلام للموتى، وكما في قصّة بقرة بني إسرائيل، وقصّة الذي أماته الله عزّ وجلّ مائة عام وغيرها.

أمّا الذي صحّ من الحوادث التي رويت عن الناس في مثل هذا فيفسّر بأنّه وقع بعد إغماء وخفوت النبض، وقبل وقوع الموت حقيقة، فيكون عن تشخيص خاطيء في الوفاة، أو يكون تفسيره أنّه من التكلم بعد الموت لا من عودة الحياة، قال الإمام البيهقي عليه رحمة ربّنا القوي:

وقد روي في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحةدلائل النبوة (6/58).

حتى أنّ الإمام ابن عبد البر رحمه الله جلّ وعلا حمل كلام سيّدنا زيد بن خارجة رضي الله تعالى بعد موته على أنّه وقع قبل موته، قال رحمه الله جلّ في علاه:

وهو الذي تكلم بعد الموت، لا يختلفون في ذلك، وذلك أنّه غشي عليه قبل موته، وأسري بروحه، فسجّى عليه بثوبه، ثمّ راجعته نفسه، فتكلّم بكلام حفظ عنه في أبي بكر، وعمر، وعثمان، ثمّ مات في حينه. الاستيعاب في معرفة الأصحاب (2/547).

ومجرّد توقف القلب ليس دليلا على الوفاة بل هو من علاماته، بل هو من علاماته، إذ من الجائز جداً توقف القلب ثمّ تعود الحياة بواسطة الإنعاش أو بدون بذل أي سبب، والموت السريري هو المصطلح الطبي لوقف الدورة الدموية والتنفس، وهو يحدث عندما يتوقف القلب عن الخفقان بإيقاع منتظم، وهي حالة تسمى السكتة القلبية.

وقد ثبت تاريخيا أنّ توقف الدورة الدموية لا رجعة فيها في معظم الحالات. قبل اختراع إنعاش القلب والرئة بالصدمات الكهربائية، أو حقن الأدرينالين، وغيرها من العلاجات في القرن العشرين، فقد كان غياب الدم (الدورة الدموية والوظائف الحيوية ذات الصلة للدم) تاريخيا يعتبر التعريف الرسمي للوفاة، وجاء مصطلح السكتة القلبية ليطلق عليه الموت السريري وليس مجرد وفاة، للتفكير في إمكانية الإنعاش في مرحلة ما بعد السكتة. ينظر: موقع ويكيبيديا، مصطلح: موت سريري.

وعلامة الموت عند الأطباء في الوقت الحاضر هي موت الدماغ.

فالأجزاء الرئيسية للدماغ ثلاثة، وهي:

1- المخ، ووظيفته تتعلق بالتفكير والذاكرة والإحساس.

2- المخيخ، ووظيفته تتعلق بتوازن الجسم.

3- جذع المخ، وهو أهمّ هذه الأجزاء ووظائفه وظائف أساسية فوظائفه تتعلق بالتنفّس والتحكّم في القلب ونبضاته والتحكّم بالدورة الدموية وغيرها.

فعند أكثر الأطباء يحصل الموت إذا أصيب جذع المخ فهذه علامة من علامات الموت عندهم مع مخالفة بعضهم في ذلك.

فالمخ إذا أصيب لا يعني هذا حصول الموت لأنّ وظيفة المخ تتعلق بالذاكرة والإحساس والتفكير فيفوت عليه التفكير والإحساس وتفوت عليه الذاكرة فيحي كما يسميها الأطباء حياة جسدية نباتية، يتغذى ويتنفس وقلبه ينبض، ويمكث على هذه الحال سنوات، وقد وجد من المرضى من مكث عشر سنوات لأنّ جذع المخ الذي يتحكم في التنفس ونبضات القلب والدورة الدموية لا يزال حيا، لكنه فقد وعيه الكامل.

فإذا مات المخ أو المخيخ أمكن للإنسان أنْ يحيى حياة غير عادية يعني حياة نباتية جسدية فيفقد وعيه الكامل لكنّه لا يزال يتنفّس، وقلبه ينبض ويتغذى.

والغالب أنّ موت جذع المخ هو الذي موته يكون علامة على الوفاة عند الأطباء. ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي (2/440).

وصلِّ اللهمّ على حضرة نبيّنا المصطفى سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه الشُّرَفَا. والله العليم بأسرار خلقه أعلم.