2020-03-27

السؤال:

السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته.

في إعطاء الفقير أجر وتطييب لنفسه، ولكن هل في الأخذ منه على سبيل الهدية كذلك تطييب لخاطره لإشعاره بأنّه يعطي كما يأخذ؟

 

الاسم: عبد السلام أحمد

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وبعد:

الهدية: تمليكُ شيءٍ عن طيب خاطر، تُحمل إلى المُهدى إليه إكراماً له لزيادة المحبة والتواصل أو مكافأة له لخدمة أسداها من غير اتفاق مُسبق، وهي سُنّةٌ نبويّةٌ شريفة تُبذرُ الحُبّ، وتُقرِّب البعيد، وتصل المقطوع، وتفتح مغاليق القلوب، لقول الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:

(تَهَادُوا تَحَابُّوا) الإمام البخاري رحمه الله الباري سبحانه في الأدب المفرد.

ولقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:

(مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ وعلا.

وكما أنّه لا ينبغي للمرء أنْ يطلب لنفسه الهديةَ تصريحاً أو تلميحاً، كذا لا ينبغي لصاحب الهدية أنْ يتباهى أو يَمُنّ بها، أو أنْ يُعطي الهدية ثم ينتظر ردّها لاحقاً كأنّها دَيْنٌ، فإنْ لم يحصل عاتب صاحبه في حضوره أو غيبته؛ فكلّ هذه الصور تُخرجُ الهدية عن مفهومها وقيمتها وغايتها، فالهدية وسيلةٌ روحية تنشر المعاني الجميلة، ولا ينبغي أنْ تكون سبباً للحرج وكسر الخواطر وجرح القلوب.

عَنِ السَيِّدَةِ أمّ المؤمنين عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ:

(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، ويُثِيبُ عَلَيْهَا) الإمام الْبُخَارِيُّ رحمه الله عزّ شأنه.

ومن هنا فإنّ الهدية تُؤخذ من الكلّ، وينبغي النظر إلى جانبها المعنوي لا إلى قيمتها المادية، قال الرحمة المهداة صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:

(لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

قال الإمام ابن بطال رحمه الله ذو العزّة والجلال في شرح الحديث الشريف (7/87):

(هذا حض منه لأمته على المهاداة، والصلة، والتأليف، والتَّحابِّ، وإنّما أخبر أنّه لا يحقر شيئًا ممّا يُهدى إليه أو يدعى إليه؛ لئلا يمتنع الباعث من المهاداة لاحتقار المُهدى، وإنّما أشار بالكُراع وفرسن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية، لا إلى إعطاء الكراع والفرسن ومهاداته؛ لأنّ أحدًا لا يفعل ذلك).

وما أجمل الهدية إذا صدرت مِنْ أعظم مَنْ أُهدِيَ للعالمين، وهو سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، فعن سيّدنا أبي هريرة رضي الله سبحانه عنه قال:

(أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زُوَّجْتُ ابْنَتِي، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُعِينَنِي بِشَيْءٍ فَقَالَ: مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ غَدًا فَتَعَالَ فَجِئْنِي بِقَارُورَةٍ وَاسِعَةِ الرَّأْسِ وَعُودِ شَجَرٍ، وَآيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَنْ أَجِيفَ نَاحِيَةَ الْبَابِ (أي أترك الباب مفتوحا فتحت يسيرا غير مغلق). قَالَ: فَأَتَاهُ بِقَارُورَةٍ وَاسِعَةِ الرَّأْسِ وَعَودِ شَجَرٍ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الْعَرَقَ مِنْ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى امْتَلَأَتِ الْقَارُورَةُ، فَقَالَ: خُذْ، وَأْمُرْ بِنْتَكَ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَطَيَّبَ أَنْ تَغْمِسَ هَذَا الْعُودَ فِي الْقَارُورَةِ وَتطَيَّبَ بِهِ. قَالَ: فَكَانَتْ إِذَا تَطَيَّبَتْ شَمَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ رَائِحَةَ ذَلِكَ الطِّيبِ، فَسُمُّوا بَيْتَ الْمُطَيَّبِينَ) الإمامان الطبراني وأبو يعلى رحمهما الله جلّ في علاه.

وينبغي العلم بأنَّ الأخذ من الفقير له أصلٌ في الأحكام الشرعية الفقهية، فبعض الفقهاء رحمهم الله تعالى – مثلا – يقولون بوجوب صدقة الفطر على مَنْ يملك قوت يومه ويوم العيد فقط، فهذا فقير كما هو معلوم إذ لا يملك نصاب الزكاة، والفقير عند جمهور الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم هو مَنْ لا يملك نصاب الزكاة، وهو بذلك مُستحقٌ لصدقة الفطر، فعندما يدفع هذا الفقير صدقة الفطر على قول مَنْ أوجبها عليه فسيكون آخذاً ومُعطياً في الوقت نفسه.

وعلى نحو عام فإنّ دين الإسلام الحنيف يُوصي بالإنفاق من غير شروط أو تحديد لحجم الإنفاق أو صفة الشخص المنفق، والآيات الكريمة التي ذكرت الإنفاق وحثّت عليه كثيرة، أذكر منها قوله جلّ جلاله وعمّ نواله:

{مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة:261].

{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 274].

ولقد مدح القرآن الكريم المنافقين في سبيل الله تعالى حال كونهم فقراء محتاجون لما أنفقوا، قال سبحانه:

{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [سورة الإنسان: 8].

وفي الحديث الشريف قوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:

(سَبقَ دِرهَمٌ مائةَ ألفِ دِرهَم، قيلَ وكيفَ ذلكَ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: رَجلٌ لهُ دِرهمَانِ [أي لا يملِكُ غَيرَهُما] فتَصدّقَ بأَحدِهمَا ورَجُلٌ تَصدَّقَ بمائةِ أَلفٍ مِن مِن عُرضِ مَالِهِ) الإمام النسائي رحمه الله عزّ وجلّ.

فالذي يملك درهمين فقط هو فقيرٌ لا يملك نصاباً كما هو معلوم، ومع هذا فقد جاء مدحه في الحديث الشريف لأنّه أنفق في الحقيقة نصف ما يملك، وهذا دليلٌ على أنّ الفقير في الإسلام له أنْ يتصدّق ويُعطي ويُهدي، وعليه فلا بأس في الأخذ من الفقير؛ فقد يكون الفقير مُستغنياً عن الحاجة التي يريد أنْ يُهديها؛ فينبغي أنْ نجبر بخاطره ونأخذها منه، كذا فمن حقّه علينا أنْ نُعطيه فرصة لينال أجر الإنفاق، لأنّ الإنفاق مأمورٌ به على نحو عام كما ذكرنا سابقاً.

وعلى وفق الهدايات المتقدمة الذكر فلا شك أنّ قبول الهدية من الفقير وغيره سُنّة نبويّة كريمة، وجبر لخاطر المُهدي وإكرام له، ينبغي أنْ لا يستقلها المُهدى إليه، بل يستقبلها بطلاقة وجه، وسرور قلب تُشعر المُهدي بفرح المُهدى إليه وشعوره بالامتنان.

وصلّى الله تعالى على النبيّ العدنان وآله وصحبه أهل الفضل والعرفان وسلّم تسليما كثيرا ما أهدى المحبون الصلاة والسلام على حضرته يسبقها الشوق والحنان.

والله جلّ ذكره أعلم.