2020-03-24

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاكم الله تعالى كلّ خير على ما تقدموه في هذا الموقع المبارك.

سيّدي الكريم: ما حكم إغلاق المساجد بسبب انتشار مرض من الأمراض أو وباء من الأوبئة كما هو حاصل اليوم بسبب فايروس كورونا؟

مع جزيل الشكر والتقدير.

 

الاسم: طالب.

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الكريمة الصادقة، وبعد:

لقد ورد الكثير من النصوص الشرعية الشريفة التي تؤكّد على أهميّة المساجد وبيان خيرها وفضلها وبركتها ومكانتها ودورها الكبير وعمقها المعنويّ الخطير.

فليست المساجد مجرّد أبنية يرفع فيها الأذان وتقام فيها الصلوات، بل هي أجلّ وأعظم.

ومن تلك النصوص:

* نسبها الله جلّ وعلا إلى ذاته العلية فقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].

* ضرب لنا ربّنا تنزهت ذاته مثلا في كتابه العزيز عن نوره فقال: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35].

فلمّا قرأ المسلم هذه الآية الكريمة تلهّف قلبه ليحظى بذلك النور، وكأنّي به يتسائل: أين أجد هذا النور؟ فيأتيه الجواب في الآية التالية مباشرة: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [النور: 36].

* أمر بإعمارها وربط ذلك بالإيمان فقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18].

* وجّه إلى التعلّق بها، ففي الحديث الشريف الذي ذكر السبعة الذين يظلّهم الله جلّ في علاه في ظله يوم لا ظلّ إلا ظلّه قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام: (— وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ —) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

* شرّع تحيّتها بالصلاة ركعتين: قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه: (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.

* هي موطن تشهده الملائكة الكرام عليهم السلام، قال النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، خَرَجَ الشَّيَاطِينُ يُرَبِّثُونَ النَّاسَ (أي: يحبسونهم ويثبطونهم) إِلَى أَسْوَاقِهِمْ، وَمَعَهُمُ الرَّايَاتُ، وَتَقْعُدُ الْمَلائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ: السَّابِقَ، وَالْمُصَلِّيَ، وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ —) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد عزّ وجلّ.

* ومكان نزول السكينة والرحمة، قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام: (مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ جلاله.

* وهي خير البقاع على الأرض، قال الحبيب المحبوب صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب: (خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ، وَشَرُّهَا الْأَسْوَاقُ) الإمام ابن حبان رحمه الرحمن تبارك اسمه.

* هي نجوم الأرض يهتدي بها أهلها، كما يهتدون بنجوم السماء، فَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: (إِنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ اللهِ فِي الْأَرْضِ تُضِيءُ لِأَهْلِهَا كَمَا تُضِيءُ نُجُومُ السَّمَاءِ لِأَهْلِهَا) الإمام البيهقي رحمه الله جلّ وعلا.

والأدلة على ضرورة النظر إلى المساجد بهذا العمق كثيرة جدّا، وكلّ ما ورد في هذه النصوص الشريفة وغيرها غيبٌ يجب الإيمان به على وجه اليقين لأنّ مصدرَها الشرعُ الشريف، على عكس ما يقوله بعض مَنْ يُنسب إلى العلم في زماننا.

وممّا يعزز مكانة المساجد قوله تعالى: {— وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125].

وقوله سبحانه: {— لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108].

فهذه النصوص الشريفة ومثيلاتها تؤكّد أنّ المساجد هي منارات الطهر والنقاء عقيدة وسلوكا وطهارة مادية، وعمّارها لله تعالى موحّدون، وبه موقنون، وبرسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام مقتدون، فهم فيها طاهرون، بوصف المحبة للطهر {— فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}

فالمسجد طاهر البنيان، لأنّه بُنِيَ من كسب حلال، لأنّ الله جلّ وعلا طيّب لا يقبل إلا ما كان طيّبا، ويدعو إلى كلّ ما هو طاهر، قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم: (الْإِسْلَامُ نَظِيفٌ فَتَنَظَّفُوا، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَظِيفٌ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.

وَعَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود عزّ شأنه.

ومن ذلك تطييب المساجد بالبخور وغيره.

فعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُجَمِّرُ الْمَسْجِدَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله جلّ وعلا.

وذلك ليزيدها أناقة وجمالا فيرغب النّاسُ الجلوسَ فيها، ويكون ذلك سببا لمحبة النفوس لها.

فكيف تكون بعد ذلك مصدر الأوبئة لاسيما إذا كان المسلمون ملتزمين بشروط دخولها، ومنها: قوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين: (فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ) الإمام أبو داود رحمه المعبود سبحانه.

وَعَنْ سيّدنا جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ، فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا، فَقَالَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى، مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ ذكره.

فمَنْ تأمّل في هذه النصوص الشريفة وغيرها أدرك أنّه من باب أولى إذا كان الإنسان مريضا مرضا معديا لا يجوز له أنْ يدخل المسجد، ويجب شرعا على أصحاب القرار منعه إنْ أراد المخالفة، بل يعاقب تعزيرا إنْ تعمّد الدخول وهو يحمل ما يحمل من أمراض معدية، وهذا ما بيّنته في جواب السؤال المرقم (2437) في هذا الموقع الكريم.

إنّ المساجد تبثّ أسباب الطمأنيعنة وتستجلب دعوات الملائكة الكرام عليهم السلام لأنّها بُنِيَت لذكر الله تبارك اسمه القائل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

والقائل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [النور: 36].

وقال النبيّ صلوات ربّي وسلامه عليه وآله وصحبه: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ بَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) الإمام النسائي رحمه الله عزّ وجلّ.

وتبث العلم الشرعيّ الذي ينير حياة الأمّة، فَعَنْ سَيِّدِنَا عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ (أَيْ يَذْهَبُ فِي الغُدْوَةِ وَهِيَ أَوَّلُ النَّهَارِ) كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ (اسْمُ مَوْضِعٍ بِقُرْبِ المَدِيْنَةِ)، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ (وَادٍ بِالمَدِيْنَةِ)، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ (الكَوْمَاءُ مِنَ الإِبِلِ العَظِيْمَةُ السَّنَامِ) فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

وآيات القرآن الكريم وأحاديث سيّدنا النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم هي مصادر لكلّ العلوم، وهذا يعني أنّ المتعلّقين بالمساجد يندفعون إلى شتى العلوم تطبيقا لما تعلّموا، وامتثالا لما أُمِرُوا.

فمكانٌ بمثل هذا المعنى العميق، وبكلّ هذه الثمرات اليانعات الطيّبات التي ذَكَرْتُ قَبَسًا منها كيف يغلق!!!؟

فلا يجوز بعد هذا أنْ ننظر إلى المساجد على أنّها مصليات فقط، فمفهوم المسجد أوسع بكثير من مفهوم المصلّى، فإذا أغلقت خسرت الأمّة أعظم مصادر طمأنينتها وحضارتها وأبواب رحمة الله تعالى بها.

ومن جميل عناية المسلمين بمساجدهم قديما وحديثا كفالة مَنْ تشرّف بخدمتها (إسكانا ورواتبَ وإيفادات) فأكثر الأئمة والخطباء والقرّاء والمؤذنين والمنشدين ومَنْ لبيوت الله تبارك وتعالى مطهّرين، أُوْقِفَتْ أوقافٌ كثيرة لكفالة عيشهم بشكل رغيد، ممّا يسهّل المحافظة عليها وإحياء رسالتها، فيستطيع هؤلاء فتحها وتهيئتها لاستقبال المتعبّدين.

كما أنّ بقاء المساجد مفتوحة ييسّر على الفئات التي يجب تواجدها في الشوارع والمؤسسات القريبة أداء شعائرهم فيها بسهولة بشكل يدفع الحرجَ عنهم واستحواذ الشيطان عليهم.

وقد رأيت إبّان الحروب التي عانى منها بلدي الحبيب – العراق – أنّ الشوارع كانت تخلوا من الناس إلا الحرّاس والجيش ورجال الأمن، فلمّا يؤذّن للصلاة كان الكثير منهم يدخل المسجد ليصلّي ويتزوّد معاني الشجاعة والأمانة والاطمئنان ويتطهّر تطهيرا.

ومَنْ يتحقق في معرفة منافع المساجد في شفاء الأرواح من أسقامها وطهارة الأجساد من أدرانها وتعلّم النّاس أساليب الحياة الحضارية الكريمة يدرك أنّ بقاءها مفتوحة أكثر أهمية من بقاء البنوك والأسواق وغيرها من الأبنية التي لا تزال تستقبل النّاس.

فبيوت الله تعالى هي الملاذ الآمِن والملجأ المُطَمْئِن الذي يأوي إليه الخلق عند الشدائد والملمّات، يتضرّعون فيها إلى ربّ الأرض والسموات، ليكشف عنهم الكربات، ويحلّ الأزمات، وقد تحدّث الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عن الطاعون الذي أصاب الناس في بلاد الشام سنة (749 هـ) فقال:

(وَفِي هَذَا الشَّهْرِ -رَبِيعٍ الْأَوَّلِ- أَيْضًا كَثُرَ الْمَوْتُ فِي النَّاسِ بِأَمْرَاضِ الطَّوَاعِينِ وَزَادَ الأَمْوَاتُ كُلّ يَوْمٍ عَلَى الْمِائَةِ، فَإِنَّا للَّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَإِذَا وَقَعَ فِي أَهْلِ بَيْتٍ لَا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى يَمُوتَ أَكْثَرُهُمْ، وَلَكِنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَى كَثْرَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ قَلِيلٌ، وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَلَا سِيَّمَا مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَوْتَ فِيهِنَّ أَكْثَرُ مِنَ الرِّجَالِ بِكَثِيرٍ كَثِيرٍ، وَشَرَعَ الْخَطِيبُ فِي الْقُنُوتِ بسائر الصَّلَوَاتِ وَالدُّعَاءِ بِرَفْعِ الْوَبَاءِ مِنَ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ سَادِسَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَحَصَلَ لِلنَّاسِ بِذَلِكَ خُضُوعٌ وَخُشُوعٌ وَتَضَرُّعٌ وَإِنَابَةٌ، وَكَثُرَتِ الْأَمْوَاتُ فِي هَذَا الشَّهْرِ جِدًّا، وَزَادُوْا عَلَى المَائَتَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، وَتَضَاعَفَ عَدَدُ الْمَوْتَى مِنْهُمْ، وَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُ النَّاسِ، وَتَأَخَّرَتِ الْمَوْتَى عَنْ إِخْرَاجِهِمْ، وَزَادَ ضَمَانُ الْمَوْتَى جِدًّا فَتَضَرَّرَ النَّاسُ وَلَا سِيَّمَا الصَّعَالِيكُ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ عَلَى الْمَيِّتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا، فَرَسَمَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِإِبْطَالِ ضَمَانِ النُّعُوشِ وَالْمُغَسِّلِينَ وَالْحَمَّالِينَ، وَنُودِيَ بِإِبْطَالِ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَادِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، ووقف نُعُوشٌ كَثِيرَةٌ فِي أَرْجَاءِ الْبَلَدِ وَاتَّسَعَ النَّاسَ بذلك، وَلَكِنْ كَثُرَتِ المَوْتَى فَاللَّهُ المُسْتَعَانُ.

وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ نُودِيَ فِي الْبَلَدِ أَنْ يَصُومَ النَّاسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَنْ يَخْرُجُوا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ إِلَى عِنْدِ مَسْجِدِ الْقَدْمِ يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْأَلُونَهُ فِي رَفْعِ الْوَبَاءِ عَنْهُمْ، فَصَامَ أَكْثَرُ النَّاسِ وَنَامَ النَّاسُ فِي الْجَامِعِ وَأَحْيَوُا اللَّيْلَ كَمَا يَفْعَلُونَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ خَرَجَ النَّاسُ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيْقٍ، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالسَّامِرَةُ، وَالشُّيُوخُ وَالْعَجَائِزُ وَالصِّبْيَانُ، وَالْفُقَرَاءُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْكُبَرَاءُ وَالْقُضَاةُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَمَا زَالُوا هُنَالِكَ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ جِدًّا، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا) البداية والنهاية (14/226).

 

ومِمّا تقدّم ينبغي أنْ أبيّن الحكم الشرعي في هذه المسألة وفق ما أرى وأفهم من نصوص الشرع الشريف، فقد قال الحقّ جلّ وعلا: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران عليهم السلام: 187].

فأقول وبالله تعالى التوفيق:

لابدّ من التفريق بين غلق المسجد، وبين المجيء إليه، وما هي رسالته؟

فالمسجد لا يغلق بل يبقى بابه مفتوحا، لأنّه مظهر من مظاهر رحمة الله تعالى بالأمّة، ويمكن توجيه المسلمين للأخذ ببعض الوصايا والتوجيهات، ومنها:

عدم التصافح، واختصار الخطبة والصلاة، وجعل الصلاة في ساحة المسجد، وتطهيرهِ بعد الانتهاء.

أمّا المجيء إلى المسجد، فللصحيح دون المريض مرضا معديا، عافاكم الله تعالى جميعا.

وأمّا رسالة المسجد فهي إرشاد النّاس وتوعيتهم وتذكيرهم بضرورة الالتجاء إلى ربّ الأرض والسماء ليكشف هذا الكرب ويرفع البلاء، وذلك من خلال الإكثار من التضرّع والدعاء، والإنفاق والاستغفار، والصلاة والسلام على حضرة النبيّ المختار، وزيادة النوافل والطاعات، ومراجعة النفس ومحاسبتها، والأخذ بأسباب ترويضها وتزكيتها.

كما أوجّه بضرورة بثّ بعض الصلوات والأدعية والتضرّع من خلال مكبرات الصوت بشكل هادئ ووقت قصير، فالنّاس في بيوتهم أحوج إليها خاصّة في هذا الظرف.

وأؤكّد على ضرورة العناية بالمساجد أقصى ما يمكن، وإنّي أبارك لكلّ مَنْ شرّفه الله جلّ في علاه بالعمل فيها وخدمتها وأطلب منه لاسيما أحبابي أنْ يبذلوا ما يستطيعون لتفوقَ في نظافتها وطهارتها وترتيبها وأناقتها كلّ شيء، قال الحقّ جلّ ذكره: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105].

وقال سيّد المرسلين صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.

وخلاصة القول:

إنّي لا أجيز غلق المساجد بسبب انتشار مرض أو وباء، بل يجب أنْ تبقى أبوابها مفتوحة لمَنْ شاء الحضور فيها، ومَنْ كان مريضا مرضا معديا فيحرم عليه المجيء إلى المسجد لئلا يؤذي غيره بانتقال المرض إليه، حتى يبرأ بإذن الله الشافي المعافي جلّ جلاله وعمّ نواله.

وأرى من الواجب هنا أنْ أذكر الحديثين الشريفين الآتيين:

1- (لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ —) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.

2- (فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ ذكره.

وللعلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم أقوال في التوفيق بينهما إذ يبدوان متعارضين في الظاهر.

فمن هذه الأقوال:

أنّ العدوى لا تنتقل من شخص لآخر إلا بإذن الله جلّ في علاه.

ولهذا نرى ونسمع أنّ اثنين من النّاس أو أكثر قد التقوا بشخص مريض مرضا معديا، ومع توفّر كلّ أسباب العدوى ما انتقل لأيٍّ منهم، وقد ينتقل لغيرهم.

أمّا الفرار من المجذوم فيكون أخذا بالأسباب لأنّ قرب الصحيح من السقيم سبب لانتقال المرض إليه.

وهناك قول آخر وهو:

إنّ الناس مختلفون في طبائعهم، فمنهم مَنْ تكون همّته عالية لا يؤثّر فيه المرض بسهولة، فمثل هذا يقال له: لا عدوى.

وهناك مَنْ يغلب عليه القلق والوسوسة والتحفّظ، فمثل هذا يقال له: فرّ من المجذوم فرارك من الأسد، وهذا ينبغي أنْ يربّى حتى ترتفع همّته ليكون كالأوّل، والأوّل ينبغي أنْ يوجّه إلى ضرورة الوقوف عند حدّ معيّن حتى لا يكون متهوّرا.

وكنت أرجو من أهل القرار أنْ لا يستعجلوا بإصدار فتوى بإغلاق المساجد قبل النظر والتحقق في النصوص الكثيرة الواردة في فضلها وخيرها ونورها وبركتها.

وهذه ليست دعوةً لأحبابي أنْ يخالفوا القانون، بل هي دعوة لمَنْ له نفوذ في إصدار القرارات إلى الانتباه لهذه الحقائق، وأنّ القرار الذي اتُخِذَ في غلق المساجد فيه نظر.

وصلّى الله تعالى وسلّم على حضرة النبيّ المختار، سيّدنا محمد، وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار.

والله جلّ جلاله أحكم وأعلم.