2019-12-04

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شيخنا الفاضل حفظكم الله ورعاكم.

هل يجوز التجارة ببيع وشراء الشعر المستعار الآدمي الذي يستخدم كوصلة لزيادة طول الشعر النسائي علما أنّ مصدر هذا الشعر قد يكون من دول غير مسلمة تبيعه المرأة مقابل ثمن للمصانع التي تقوم بمعالجته ليصبح صالحا للاستخدام لفترة طويلة وعرضه للبيع بمواصفات وأطوال وألوان مختلفة.

وجزاكم الله خيرا.

 

الاسم: سعد نوري القزان

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتك الطيّبة، وأسأله جلّ وعلا أنْ يمنّ عليك بمثلها وزيادة إنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.

فهذه بعض المقدمات تعيننا على فهم الجواب:

* شعر الإنسان جزء منه، ولأنّ الإنسان مكرّم كله ومحترم، فكذلك أجزائه، قال ربّنا جلّ جلاله وعمّ نواله:

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].

* شعر الإنسان طاهر، سواء كان صاحبه حياً أو ميتاً، اتصل الشعر به أم انفصل.

* كلّ ما يعرّض الإنسان، أو أعضائه أو شيء من بدنه للمهانة والابتذال يمنع شرعاً.

واستعمال الشعر المستعار لا يخرج من أحد الأمور الآتية:

1- وصله بالشعر الموجود في الرأس للزينة، وهو ممنوع لأنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:

(لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وكلّ ما يتعلق بوصل الشعر من بيعه وشرائه وهبته وغيرها يمنع أيضا، وسبب المنع أنّه يجعل جزءً من أجزاء الإنسان سلعة مبتذلة، كما أنّه يعين على التدليس وخداع الخاطب أو الآخرين بأنّ هذا الشعر هو للواصلة.

2- وصله لحاجة وضرورة، كأنْ لا يكون للمرأة شعر إطلاقاً، وتكون معيبةً بين النساء، ولا يمكنها أنْ تخفي هذا العيب إلّا به كالإصابة بالصلع أو سقوط الشعر لمرض أو حرق – عافاكم الله تعالى – فأرجو ألّا يكون فيه بأس، لأنّه ليس للتجمّل، وإنّما لستر ذلك العيب، وإزالة العيوب جائزة، فَعَنْ سَيِّدِنَا عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:

(أُصِيبَ أَنْفِي يَوْمَ الكُلَابِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَاتَّخَذْتُ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيَّ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.

3- استعماله لأغراض غير الوصل، كأنْ يستعمل في آلات الرسم والتنظيف وغيرها، فهذا يمنع أيضا، لأنّه سيكون مبتذلاً أيضاً بالبيع والشراء.

ذكر الإمام النووي رحمه الله عزّ وجلّ في كتابه المجموع ما نصّه:

(— مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُتَّصِلًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُنْفَصِلًا كَشَعْرِ الْآدَمِيِّ) المجموع شرح المهذب (9/254).

وقال الإمام الميرغيناني الحنفي رحمه الله جلّ جلاله في كتاب الهداية ما نصّه: (وَلَا يَجُوْزُ بَيْعُ شُعُوْرِ الإِنْسَانِ وَلَا الانْتِفَاعُ بِهَا، لِأَنَّ الآدَمِيّ مُكَرَّمٌ لَا مُبْتَذَل فَلَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ مُهَانًا وَمُبْتَذَلًا) الهداية في شرح بداية المبتدي (3/46).

وقال الإمام البهوتي الحنبلي رحمه الله عزّ شأنه:

((وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ شَعْرِ الْآدَمِيِّ) مَعَ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ (لِحُرْمَتِهِ) أَيْ احْتِرَامِهِ)) كشاف القناع عن متن الإقناع (1/57).

وقال الإمام العدوي المالكي في حاشيته على شرح مختصر خليل للخرشي رحمهما الله سبحانه:

(سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ بَيْعِ الشَّعْرِ الَّذِي يُحْلَقُ مِنْ رُءُوسِ النَّاسِ فَكَرِهَهُ) شرح مختصر خليل للخرشي (1/83).

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما نصه:

(شَعْرُ الإْنْسَانِ طَاهِرٌ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الشَّعْرُ مُتَّصِلاً أَمْ مُنْفَصِلاً، وَاسْتَدَلُّوا لِطَهَارَتِهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاوَل أَبَا طَلْحَةَ شَعْرَهُ فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الاِنْتِفَاعِ بِشَعْرِ الآْدَمِيِّ بَيْعًا وَاسْتِعْمَالاً؛ لأِنَّ الآْدَمِيَّ مُكَرَّمٌ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ —} فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ مُهَانًا مُبْتَذَلاً) الموسوعة الفقهية (26/102).

والخلاصة:

لا أرى بأسًا ببيع الشعر طالما هنالك احتمال لاستعماله بوجه شرعيّ.

ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2293) في هذا الموقع المبارك.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.

والله تبارك اسمه أعلم.