2019-11-26

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته شيخنا الفاضل، أكرمكم الله بالحسنيين إنْ شاء الله.

خادمتكم تملك ماجستير فيزياء، وقد أكرمها الله عزّ وجلّ بحب هذا العلم منذ صغرها… والحمد لله خادمتكم بتحس أنّ إكمال الدكتوراه ضروري جدااا لأنّ هذا العلم قربة من الله عزّ وجلّ ونعمة وهبة لأهله…. لكن سيّدي زوجي متردد أحيانا يوافقني، وأحيانا يمنعني، علمًا بأنّي انطلقت في بحثي مع الأستاذ المؤطر، وحجة زوجي أكرمه الله هي الاختلاط، طبعا أنا أتواصل مرّة واحدة فقط مع الأستاذ المؤطر أسبوعيا من أجل توضيح ومناقشة العمل البحثي خاصة العمليات الحسابية الصعبة التي تقتضي المناقشة….. والله شيخي الفاضل قلبي تعب جدااا وطاقتي ضعفت بسبب زوجي الله يكرمه من منعي أحيانا، وتركي أحيانا أخرى …. خادمتكم الآن مرضت نفسيا خائرة القوة… واهنة ذليلة لا حيلة لها… لكن والله أحبكم في الله، وأحبّ شيخكم الفيزيائي العظيم الذي جمع بين العمل الروحي والفيزياء في حياته أثناء تربيته للأجيال… الله يوصلني بعلمه وفهمه حتى أنهج منهجه…. لكن هيهات ما عندي والله طاقة الآن…. لاحول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم….. الله يرضى عليكم وعلى أهل أربيل وأهل العراق ويكرمهم بالنصرة…

 

الاسم: فاطمة

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك.

أحبّكم الله جلّ وعلا الذي أحببتم خادمكم فيه، وجزيتم خيرا على دعواتكم الصادقة، وهنيئاً لكم محبتكم لأولياء الله عزّ وجلّ رضي الله تعالى عنهم وعنكم، أعني سيّدي حضرة شيخنا وأستاذنا الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله سبحانه روحه وذكره وثراه الذي أحاط بالعديد من العلوم، كان في مقدمتها شرفا وحاجة العلوم الشريعة والروحية الشريفة الموصولة بسند صحيح إلى حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين .

لا شكّ أنّ الشريعة الغرّاء ندبت إلى طلب العلم وحثّت عليه، والنصوص الشريفة في ذلك كثيرة جداً، ويكفي أنّ الآية الأولى نزولاً دعت إلى القراءة والتعلّم؛ قال جلّ جلاله وعمّ نواله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 – 5].

وقَالَ سيّدنا رسول الله صلَّى اللهُ تعالى وسلّم عليهِ وآله وصحبه ومَنْ والاه: (طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ شأنه.

ومن هنا فلا فرق بين الذكر والأنثى في ضرورة طلب العلم، ولكنّ هناك ضوابطَ وفروقًا بين الجنسين ينبغي مراعاتها، ولنا أنْ نهتدي بقبسات نورانية في هذا المجال ذكرها حضرة شيخنا عبد الله مصطفى الهرشمي رضي الله تعالى عنه وعنكم حيث قال تحت عنوان تعليم النساء:

(— إذ العلم كيف يكون مُشاعا متى حُرمت منه المرأة، وإنه لفي شرعة الاسلام وظلال رياضه كان أن نشأت عالمات جليلات علّمت منهنّ من علّمت روائع العلوم ووصلت من وصلت منهن مرتبة الاجتهاد. ولننظر في هذا الشأن كيف تأدبت الصحابيات على عهد السعادة وماذا شرع لهن رسول الله صلى الله وسلم عليه وعليهنّ جمعاوات.

عن أبي سعيد الخدري قال: ((قال النساء للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك. فوعدهن يوما لقيهن فيه [يعلمهن] فوعظهن وأمرهن [بأمور الدين] فكان فيما قال لهن: ((ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لهن حجاباً من النار. فقالت امرأة واثنين فقال: واثنين)).

ونذهب، استنباطاً من هذا الاصل، إلى عدم الجمع بين المراهقين والمراهقات والشبان والشابات في أية مرحلة من مراحل الدراسة المتوسطة والإعدادية والعالية في المعاهد والجامعات. والحكمة الشرعية واضحة. ليس يوجد أي منفعة فردية ولا جماعية في هذا الاختلاط من جانب التربية والتعليم. بل فيه مساوئ التكليف بمواد علمية محددة في أعمار معينة للذكور والإناث على السواء، على الرغم من تفاوت نمو الاستعداد بينهما لتلقي أنواع العلوم بتفاوت سنوات الأعمار – فلبعضها تتقدم الإناث ولبعضها تتقدم الذكور، وهذه حقيقة في الطبيعة تستدعي التمييز لا التوحيد في توزيع مواد الدراسة على السنوات) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي، ص114،113 بتصرّف يسير.

أمّا وقد قطع جنابكم شوطا طيّبًا في طلب علم الفيزياء فمِنَ الحيف ترك هذا الشوط دون إتمامه، وهذا ما ينبغي فهمه من قِبل زوجك هداه الله جلّ وعلا، وهنا ينبغي أنْ أسجّل لكِ شكري واحترامي إذ كلّما ذكرتِ زوجكِ دعوتِ له بالخير، وما ذاك إلا من صفات الصالحات أمثالكم، وظنّي بكم وأنتم على هذا القدر منَ الإدراك والفهم أنْ تتخذوا الوسائل الحكيمة واللطيفة في إقناع زوجك وكسب ودّه وثقته، وإزاحة الشكوك والعوائق من فكره وقلبه، سيما وأنّه – كما ذكرتِ – يرضى تارة ويمتنع أخرى، وأنصحكِ باصطحابه إلى الكلية – ولو لمرّة واحدة – لملاقاة الأستاذ المُشرف والتعرّف عليه إذا كان هذا الأمر نافعا له بحسب ظنّكم، والاستعانة ببعض الأقرباء والمعارف للحديث معه بهذا الخصوص وغير ذلك من الوسائل المشروعة واللطيفة التي تجديها ناجعة في إقناعه، مع دوام الدعاء له عسى الله سبحانه أنْ يشرح صدره ويكون عونا لك في طريقك الروحي والعلمي.

كما ينبغي عليك التوكّل على الله جلّ في علاه، وكثرة ذكره والصلاة والسلام على نبيّه الكريم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فذاك من أسباب القوة المانعة للضعف والهوان، وكم جميلٌ ونافعٌ ما قاله المتنبي رحمه الله تعالى:

وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها *** وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ

وفقك الله عزّ وجلّ ونفع بك وجعلك باباً من أبواب العلم النافع وسبباً من أسباب نشر العمل الروحي الإسلامي في بلدك ومحل عملك.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه الميامين.

والله تبارك اسمه أعلم.