2019-11-19

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسأل الله تعالى لكم العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا، ويمد في عمرك آمين، شيخنا اعتاد العلماء والمسلمون قديما وحديثا على الأخذ بالحديث الصحيح ممّا صحّحه أئمة الحديث التسعة (كالإمام البخاري والإمام المسلم والإمام الترمذي و،،،،) رحمة الله عليهم، وكذلك نفس الحالة مع الحديث الضعيف، إلى أنْ ظهر لنا الأشخاص يسمّون أنفسهم باحثين في شؤون علم الحديث والحفاظ والمصنفات وتأليف ونشر الكتب مثل كتاب (سلسلة الأحاديث الصحيحة) و (سلسلة الأحاديث الضعيفة) و (صحيح الجامع) و (ضيع الجامع) نراهم فيها يضعفون الحديث الذي صحّحه أئمة الحديث ويصححون الذي ضعفها أئمة الحديث (كالإمام البخاري) سؤالي شيخنا كيف نميّز بين علمائنا المجازين المتخصصين الذين لهم الحق في تصحيح وتضعيف الحديث النبوي الشريف وشروط التي يتوفر فيها، وبين علماء السوء وأعمال التخريب التي يريدون  من خلالها ضرب الأحاديث النبوية الشريفة بعضها ببعض والتلاعب بها والعبث في تعاطي علم الرواية والأسانيد؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

الاسم: ابو مريم

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكركم على دعواتكم الطيّبة وتواصلكم مع هذا الموقع المبارك.

إنّ علم مصطلح الحديث النبوي الشريف من العلوم المهمة لأنّ جوهر الشيء بشرف متعلّقه، فموضوعه أقوال وأفعال وأحوال حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم ما دامت السماوات والأرضين وآله وصحبه أجمعين، وقد عرّفوه بأنّه:

(عِلْمٌ بِقَوَانِينَ يُعْرَفُ بِهَا أَحْوَالُ السَّنَدِ وَالْمَتْنِ) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للإمام السيوطي عليه الرحمة والرضوان (1/26).

وهذا العلم الشريف ممّا تميّزت به هذه الأمّة المرحومة فحفظت بذلك حديث نبيّها صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، فيه مصطلحات وألفاظ وكتب يعرفها أهل التخصّص من أهل العلم الكرام رضي الله سبحانه عنهم وعنكم.

والذين تصدّوا للتصحيح والحكم على الأحاديث جهابذة العلماء والحفّاظ ممّنْ أجمعت الأمّة الإسلامية على عدالتهم والثناء عليهم، وما تزال كتبهم تُروى وتُدرَّس حفظًا لهذا التراث المبارك.

وقد كان للفقهاء الأربعة المجتهدين المتبوعين ساداتنا (أبي حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل) رضي الله تعالى عنهم وعنكم. فضل عظيم في أنّهم دوّنُوا السنّة النبويّة المطهّرة من خلال المسانيد، كمسند الإمام أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وموطأ الإمام مالك رحمهم الله جلّ وعلا وجزاهم عن أمّة الإسلام كلّ خير، وقد عرفها الناس قبل ظهور كتب الصحاح والسنن، ووضعوها على أبواب الفقه الإسلامي، وصنّفوا كتبا في أصول الفقه وطرق الاستنباط، وقد شهد لهم أهل زمانهم بذلك، ولو ذكرنا تلك الشهادات لطال بنا الحديث.

وأكتفي بذكر ما أورده الحافظ الذهبي عليه رحمة ربّي سبحانه في كتابه مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان (عليه الرحمة والرضوان) حيث قال الإمام مسعر بن كدام رحمه الله جلّ وعلا: (طَلَبْتُ مَعَ أَبِي حَنِيْفَةَ الحَدِيْثَ فَغَلَبَنَا، وَأَخْذَنَا فِي الزُّهْدِ فَبَرَعَ عَلَيْنَا، وَطَلَبْنَا الفِقْهَ فَجَاءَ مِنْهُ مَا تَرَوْنَ).

أمّا مسألة التصحيح والتضعيف للأحاديث الشريفة فأنقل لك ما كتبه محدّث بلاد الشام والمتخصّص في علوم الحديث المباركة فضيلة الشيخ نور الدين عتر حفظه الله تعالى وشافاه، حيث قال في كتابه منهج النقد عند المحدثين:

(قام أئمة الحديث منذ العصور الأولى بنقد الأحاديث، وتمييز مقبولها مِنْ مردودها، وتكلّموا في عللها، وأتوا في ذلك بأبحاث دقيقة تكشف خبايا الأسانيد والمتون كأنّما كانوا يطوفون مع الرواة وينتقلون مع المتون خلال حلقات الإسناد، فكانت أبحاثهم وأحكامهم حجّة تلقّاها العلماءُ بالقبول، واحتجوا بأحكامهم في صحّتها وحسنها وعَمِلُوا بمقتضاها).

ثمّ ذكر رأي الإمام ابن الصلاح عليه رحمة الكريم الفتاح فيما يخصّ تصحيح المتأخرين للأحاديث حيث منع ذلك في كتابه (علوم الحديث) فقال:

(إِذَا وَجَدْنَا فِيمَا يُرْوَى مِنْ أَجْزَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا حَدِيثًا صَحِيحَ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ نَجِدْهُ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ، وَلَا مَنْصُوصًا عَلَى صِحَّتِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ مُصَنَّفَاتِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ الْمَشْهُورَةِ، فَإِنَّا لَا نَتَجَاسَرُ عَلَى جَزْمِ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ) معرفة أنواع علوم الحديث ص16.

ولكنّ العلماء كالإمام النووي والحافظ ابن كثير والحافظ العراقي جزاهم اللطيف المتعالي جلّ وعلا كلّ خير على هذا الإطلاق، وقد أثارت هذه المناقشات اهتمام الإمام السيوطي رحمه الله تعالى فكتب في المسألة بحثا خاصًّا سمّاه:

(التنقيح لمسألة التصحيح) جنح فيه إلى التوفيق بين رأي ابن الصلاح ورأي من خالفه، وخرّج مذهب ابن الصلاح تخريجا حسنا فقال:

(والتحقيق عندي أنّه لا اعتراض على ابن الصلاح ولا مخالفة بينه وبين من صحّح في عصره أو بعده، وتقرير ذلك أنّ الصحيح قسمان:

صحيح لذاته، وصحيح لغيره، كما هو مقرّر في كتاب ابن الصلاح وغيره، والذي منعه ابن الصلاح إنّما هو القسم الأوّل دون الثاني كما تعطيه عبارته.

وذلك أنْ يوجد في جزء من الأجزاء حديث بسند واحد من طريق واحد لم تتعدّد طرقه، ويكون ظاهر الإسناد الصحّة لاتصاله وثقة رجاله فيريد الإنسان أنْ يحكم لهذا الحديث بالصحّة لذاته بمجرّد هذا الظاهر، ولم يوجد لأحد من أئمة الحديث الحكم عليه بالصحّة، فهذا ممنوع قطعا لأنّ مجرّد ذلك لا يكتفي به في الحكم بالصحّة، بل لابدّ من فقد الشذوذ ونفي العلة، والوقوف على ذلك الآن متعسّر بل متعذر لأنّ الاطلاع على العلل الخفيّة إنّما كان للأئمة المتقدمين لقرب أعصارهم من عصر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكان الواحد منهم مَنْ تكون شيوخه التابعين أو أتباع التابعين أو الطبقة الرابعة، فكان الوقوف على العلل إذ ذاك متيسّرًا للحافظ العارف، وأمّا الأزمان المتأخرة فقد طالت فيها الأسانيد، فتعذّر الوقوف على العلل إلا بالنقل من الكتب المصنّفة في العلل، فإذا وجد الإنسان في جزء من الأجزاء حديثا بسند واحد ظاهره الصحّة لاتصاله وثقة رجاله لم يمكنه الحكم عليه بالصحّة لذاته، لاحتمال أنْ يكون له علّة خفية لم نطّلع عليها لتعذّر العلم بالعلل في هذه الأزمان.

وأمّا القسم الثاني: فهذا لا يمنعه ابن الصلاح ولا غيره، وعليه يحمل صنع من كان في عصره ومَنْ جاء بعده، فإنّي استقريت ما صحّحه هؤلاء فوجدته من قسم الصحيح لغيره لا لذاته) منهج النقد في علوم الحديث (ص: 282).

فانظر يا رعاك الله جلّ في علاه كيف وضعوا لذلك ضوابط، وكلّ ذلك يتعلّق بجمع طرق للحديث والحكم عليها بالصحّة.

وأمّا تضعيف الأحاديث بعد حكم المتقدمين عليها بالصحة فهذا ممنوع عند المحدثين لما تقدّم من أقوالهم، وما يفعله بعض المعاصرين ممّنْ لم يتتلمذوا على كبار المحدثين، ولم تكن حافظتهم تحمل من الأحاديث النبوية الشريفة كحافظة وضبط المتقدمين، حتى لسعة حفظهم أطلقت عليهم ألقاب: (الحافظ، والحاكم، والحجّة) فهو منزلق صعب خصوصًا وأنّ علم الحديث نضج واحترق كما قيل، وكتب الحديث النبوي الشريف معروفة عند أهل العلم وتناولوها حفظا وشرحا واختصارا، وبذلك خدموا السنّة النبوية الشريفة.

وصلّى الله تعالى وسلّم على مصباح الظلام، وسيّد الأنام، سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه الكرام.

والله تبارك اسمه أعلم.