2019-11-18

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سيّدي، أسأل الله (جلّ جلاله) أنْ يمنّ عليكم بالصحة والعافية وبكرمه وفضله.

أرجو أنْ يتسع صدركم لكلامي سيدي.

إنّ خادمكم ومحبكم في الله محمود حجوب من محافظة صلاح الدين مدينة تكريت طالب جامعي مرحلة رابعة بعد الدوام أذهب إلى مسجد سيّد الخلق (صلّى الله عليه وسلّم) للأذان وقت أو وقتين حسب ما يتيسّر لي بإذن الله، وإنّي أحب التغنّي وتجميل صوتي في الأذان إلّا أنّي أصبحت حالياً أتجنّب الأذان في أغلب الأوقات خصوصاً بعد أنْ سمعت الناس تمدحني وتمدح صوتي لأنّي خشيت أنْ أقع في باب الرياء والعياذ بالله منه، وأي شخص يراني ممّن يعرفني يعاتبني على عدم الأذان وسماع صوتي، وهذا ما يؤدي إلى خوف كبير في قلبي من السمعة أمام الناس فأنا أخاف المدح من الناس، ولا أعلم ماذا أفعل.

سيّدي أرجو أنْ ترشدني إلى ماذا أفعل.

 

الاسم: سائل

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الصادقة، وبعد:

فالرياء مرضٌ قلبي خطير، وصفته أنْ يبتغي العامل رؤية النّاس طلباً للجاه والسُمعة والمدح وغير ذلك ممّا تتطلّع إليه النفس الإنسانية غير المزكاة، وتطلّبها الذوات التي لم تتأدب بأدب الشريعة الغرّاء، ولم تتخلّق بأخلاق أشرف الأنبياء عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأتقياء.

عَنِ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:

(قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَقِفُ الْمَوْقِفَ أُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ، وَأُرِيدُ أَنْ يُرَىَ مَوْطِنِي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا، وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، الإمام الحاكم رحمه الله تعالى.

وَقَالَ سَيِّدُنَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ:

(قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.

وقال:

(إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ. قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد عزّ وجلّ.

أمّا ترك العمل خوفًا من الرِّياء فهو سوء آخر؛ قال عنه الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى:

(تَرْكُ الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللهُ عَنْهُمَا) الإمام البيهقي رحمه الله سبحانه.

أمّا التغنّي في الأذان أو قراءة القرآن الكريم فهذا ممّا يُندب إليه لأنّه وسيلة طيّبة لجذب القلوب إلى علّام الغيوب جلّ جلاله، وكم سمعنا من قصص قديمة وحديثة حكت توبة أو إسلام كثير من النّاس كان الصوت الجميل لتلاوة القرآن العظيم أو في رفع الأذان السبب الرئيس لتوبتهم أو إسلامهم؛ قال الحبيب المحبوب صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب:

(مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.

وقال أيضا: (زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ وعلا.

فهنيئا لجنابك الكريم ما منحك الله تعالى من نعمة الصوت الجميل، والحمد له سبحانه إذ وفقك لاستثماره في هذا الميدان الكريم؛ فالأذان سبب للأجر الكبير والمقام العظيم؛ قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام: (الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ في علاه.

أمّا المدح فهو عاجل بشرى المؤمن ما لم يطلبه الشخص بنفسه، وهو نعمة أخرى ينبغي شكرها ثمّ بيان أنّ تلك النعمة محضُ فضلٍ من الله جلّ وعلا المنعم الوهاب، وأن ليس لك في ذلك فضل أو مِنّة.

وعلى وفق ما تقدّم ينبغي لجنابك شكر الله عزّ وجلّ على ما وهبك من نعمة الصوت الجميل، ومن نعمة خدمة المساجد ورفع اسم الله سبحانه ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فيها، كذا تشكره على ثناء النّاس فهم شهداء الله تعالى في أرضه، على أنْ تنظر بقلبك أنّ هذا من الله جلّ جلاله؛ فلا تلتفت إليهم لذات المدح والثناء، بل يكون ذلك دافعا للاستمرار في الخدمة بتجرّد وصدق وإخلاص، طالباً وجه الله تعالى الكريم المنان.

كذا ينبغي لجنابك أنْ تلتزم بالذكر الشريف صباح مساء ثلاثا: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ) الإمام البخاري الباري سبحانه.

وأخيراً ينبغي للصادقين أمثالكم أنْ تدعو الله تعالى دائما بأنْ يمنحكم الصدق والإخلاص والتجرّد والثبات عليه، وأنْ يُعيذكم مِن الشرك والرياء والنفاق وسوء الأخلاق.

ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (552، 703، 800، 2044) في هذا الموقع المبارك.

كما لا يفوتني أنْ أُذكِّر جنابك بضرورة صحبة الصالحين الصادقين رضي الله تعالى عنهم وعنكم؛ فهي وصيّة الله جلّ وعلا لعباده المؤمنين بقوله الكريم:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119].

ومِنْ أعظم صور صحبتهم صحبة السادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وذلك بسلوك طريق العمل الروحي على يّد أحدهم؛ فهم سببٌ عظيم منْ أسباب التزكية من الأمراض القلبية، ومنها الرياء، والتخلّق بالأخلاق النبوية الشريفة، ومنها صدق التوجّه لربّ الأرض والسماء جلّ جلاله وعمّ نواله الذي أسأله أنْ يمنَّ عليكم بذلك، ويجعلكم من عباده الصادقين الموفقين لخدمة بيوته ونشر معالم التزكية النبوية الشريفة فيها وخارجها إنّه سبحانه سميع مجيب.

وأرجو مراجعة باب الذكر والتزكية والسلوك في هذا الموقع الكريم لا سيما أجوبة الأسئلة المرقمة (1477، 1625، 1654، 1663، 1734، 1755، 1816، 2331).

وصلى الله تعالى وسلم وبارك على أجمل الناس صوتا، وأكرمهم خلقا، وأصدقهم لسانا، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.