2019-11-12

السؤال:

ما حكم إقامة مثل مسابقات حفظ أو تلاوة القرآن الكريم -بِلَحْظِ أنّه يترتب عليها دفع وتشجيع الناس لحفظ كتاب الله تعالى لأجل الجوائز والمكافآت، ولا يخفى أنْ الذي ينبغي في الحفظ والتلاوة أن يكونا بنيّة خالصة لله تعالى وليس بنية أخرى؟

 

الاسم: سائل

 

الرد:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

إنّ حفظ كلام الله سبحانه وتلاوته من الطاعات والقربات ينبغي الإخلاص فيه، قال عزّ وجلّ:

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].

وإخلاص النيّة لله جلّ في علاه وطاعته والتقرّب إليه وبلوغ مقاصد شرعه وتوجيه القلب والعقل لبلوغ هذه الدرجة مما لابد من إدراكها عند المسلم والوصول لها.

أمّا الحكمة في جواز المساهمة والاشتراك في مسابقات حفظ القرآن الكريم والعلوم الأخرى في المساجد والمدارس والجامعات وغيرها عند العلماء والفقهاء فهي للفت أنظار طلبة العلم إليها، لحب الناس غالبا أنْ ينالوا العطايا والهدايا، فإذا جاءوا وحضروا ودرسوا تصححت نيّتهم وتوجهت نحو الإخلاص لله جلّ جلاله غالباً، وفي ذلك يقول الإمام الغزالي رحمه الله سبحانه (تعلّمنا العلم لغير الله فأبى العلم أنْ يكون إلا لله).

ويضاف إلى ذلك أنّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأنّ السَّبْقَ اليوم يجب أنْ يكون للمساجد ودور العلم وإلا تلقفتهم الجهات الأخرى بمغرياتها وما يلوحون به ليلا ونهارا.

ودليل جوازها مستنبط من الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة، فإنّ الله جلّ وعلا وعد المؤمنين والمؤمنات جنّات الخلود، فقال تعالى:

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122].

وقال:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 9] وغيرها من الآيات الصريحة بتلك الجوائز الكبرى، لا بل صرح بإنّها منافسة فقال:

{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26].

ووجه الدلالة من هذه الآيات: أنّ المؤمن يحقّ له وهو يكثر من الطاعات أنْ يمنّي نفسه ببلوغ تلك المنازل والدرجات التي وعد الله تعالى بها من آمن والتزم بهديه وأطاعه في أمره ونهيه.

ومثلها الغنائم في الجهاد، قال عزّ شأنه:

{وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 20].

ومن هذا الباب جاز للمشترك في مثل هذه المسابقات أنْ يمنّي نفسه بالتشرّف في حفظ كتاب الله تعالى ونيل الجوائز والعطاءات عليها.

قَالَ سيّدنا رَسُولُ اللهِ صَلى الله تعالى وسلم عَلَيهِ وآله وصحبه ومَنْ والاه:

(لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ، أَوْ فِي حَافِرٍ، أَوْ نَصْلٍ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ وعلا.

ووجه الدلالة من الحديث الشريف ما ذكره الشيخ ابن القيم رحمه الله سبحانه في كتابه: “الفروسية”

(المسألة الحادية عشرة: المسابقة على ‏حفظ القرآن والحديث والفقه وغيره من العلوم النافعة، والإصابة في المسائل، هل تجوز ‏بعوض؟ منعه أصحاب مالك وأحمد والشافعي، وجوزه أصحاب أبي حنيفة وشيخنا، ‏وحكاه ابن عبد البر عن الشافعي، وهو أولى من الشباك والصراع والسباحة، فمَنْ جوّز ‏المسابقة عليها بعوض فالمسابقة على العلم أولى بالجواز، وصورة مراهنة الصِدِّيق لكفّار ‏قريش على صحّة ما أخبرهم به وثبوته، وأنّه لم يقم دليل شرعي على نسخه، وأنّ ‏الصدِّيق أخذ رهنهم بعد تحريم القمار، وأنّ الدِّين قيامه بالحجة والجهاد فإذا جازت المراهنة ‏على آلات الجهاد، فهي في العلم أولى بالجواز، وهذا القول هو الراجح) انتهى.

أمّا المنفقون أموالهم لخدمة القرآن الكريم وأهله، ورعاية مراكزه ودورات تحفيظه في المساجد فهم أهل فضل وأجر لا يعلم فضلهم إلا الله تعالى القائل:

{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29، 30].

والقائل:

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].

ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة الجوابين المرقمين (161، 1735) في هذا الموقع المبارك.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على مَنْ أنزِل عليه القرآن، وفاض بالعرفان، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أهل التقوى والإيمان.

والله تبارك اسمه أعلم.