2019-11-01

السؤال:

لماذا لم يبق الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم في مكة بعد فتحها وعاد إلى المدينة، وهو القائل عن مكة: “ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، ولولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك”؟

 

الاسم: سائل

 

 

الرد:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكر تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يجعل ذلك في ميزان حسناتك إنّه سبحانه سميع مجيب.

أمّا بخصوص الجواب عن سؤالك فهناك الكثير من الأسباب التي دعت إلى بقاء سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه في المدينة المنورة وعدم العودة إلى مكة المكرمة، منها:

1- عدَّ الشرع الشريف الرجوع إلى البادية بعد الهجرة من الكبائر وذلك لأنّ مَنْ ترك بلده مهاجرًا إلى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، فلا يحلّ له الرجوع لبلده ولو كانت مكة المكرّمة.

قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم وهو على المنبر:

(اجْتَنِبُوا الْكَبَائِرَ السَّبْعَ، فَسَكَتَ النَّاسُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا تَسْأَلُونِي عَنْهُنَّ؟ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكَلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.

(وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ) هو أنْ يعود إلى البادية، ويقيم مع الأعراب بعد أنْ كان مهاجرا، وكان مَنْ رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عُذْرٍ يَعُدُّونَه كالمرتد.

فكيف يمكن أنْ يرجع إلى مكة المكرّمة بعد أنْ هاجر منها إلى المدينة المنورة؟

وقد قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:

(لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ —) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

2- لأنّ دار الإسلام أقيمت في المدينة المنورة بعد الهجرة، وأصبحت نقطة ارتكاز الدولة التي لا يمكن أنْ تترك.

أمَّا قوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه عن مكة المكرمة:

(مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ) الإمام التِّرْمِذِيُّ رحمه الله تعالى.

فهذا قاله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين حال خروجه من مكة المكرّمة وقبل وصوله إلى المدينة المنوّرة، فلمّا أقام فيها تغيّر الأمر وأصبح للمدينة من الفضائل والشمائل ما فاقت به غيرها من المدن والقرى والأمصار، قال نبيّنا المختار صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه الأبرار:

(أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى، يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وَهِيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.

وقال:

(اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

وقال أيضا:

(اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ —) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

والأحاديث الشريفة التي وردت في فضلها ومكانتها كثيرة لا يمكن إحصاؤها هنا.

3- أراد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم أنْ يبيّن لأمّته أنّ رابطة الإسلام والإيمان أقوى من رابطة النسب والقبيلة والرحم، فلو عاد إلى مكة المكرمة لقالوا: تصالح مع أهله فأقام معهم وبالتالي فإنّ الرابطة في هذا الدين قومية وليست إيمانية، وهذا لا يمكن، قال الحقّ جلّ جلاله:

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].

4- إنّ أهل المدينة آووا النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين ونصروه وبذلوا كلّ شيء في سبيل هذا الدين حتى استحقوا مدح الله سبحانه وثنائه إذ قال:

{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

ولمّا يسّر الله جلّ وعلا لنبيّه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فتح مكّة المكرّمة ورأوا تقسيم العطايا كان منحصرًا في قريش وقبائل العرب ولم ينل الأنصار رضي الله تعالى عنهم منها شيئا، قال قائلهم: (لَقَدْ لَقِيَ وَاَللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ) فلمّا سمع بمقالتهم تلك، أمر أنْ يجتمعوا فحضروا فأتاهم فقال:

(يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلاَ الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.

وفي رواية أخرى قال:

(يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، قَالُوا: قَدْ قُلْنَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَمَا أُسَمَّى إِذًا؟ قَالَ: كَلًّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَيْكُمْ، الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ، قَالَ: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا: إِلَّا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (أي: بُخْلًا بِهِ وَشُحًّا أَنْ يُشَارِكَنَا فِيْهِ غَيْرُنَا) قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى.

وصلى الله تعالى وسلم على صاحب الخلق العظيم سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه المكرمين.

والله جلّت قدرته أعلم.