2019-10-22

السؤال:

سيّدي حضرة الشيخ سعد الله حفظكم الله تعالى.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله أنْ يجعلكم بخير دائما وأنْ يديم عليكم نعمة الصحة والعافية، وأنْ ينفع بكم. 

قال أحد أهل الفضل بعد حضور مجلس الختم الشريف إنّ “المجلس مجلس جمال”

فهل فعلا أنّ مجلس الختم الشريف مجلس جمال؟ وإنْ صحّ فما معنى مجلس جمال، وما الفرق بينه وبين مجلس الجلال؟ ومتى يكون المجلس مجلس جمال، ومتى يكون مجلس جلال؟ وهل هذا المفهوم هو نفس ما يقصده البعض بقولهم (حضرة الجمال) و (حضرة الجلال)؟ ويقال إنّ مكة المكرمة حرسها الله حضرة جلال، والمدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام حضرة جمال؟ فما المقصود بذلك؟

وجزاكم الله تعالى خيرا ونفع بكم وبعلمكم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

الاسم: أحمد

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى جميل دعواتكم الصادقة، أدعو لجنابك الكريم بأفضل منها. وبعد:

الجمال: صفة تلحظ في الأشياء وتبعث في النُّفوس سرورًا ورضاً أو إحساسًا بالانتظام والتّناغم والتكامل.

الجَلال: مصدر جلَّ، وجلالُ الله عزّ شأنه: عظمته، وذو الجلال: اسم من أسماء الله الحُسنى، ومعناه: المُتّصِف بصفات الجلال والعظمة والمُسْتحِقّ أنْ يُعرف بجلاله وكبريائه.

لقد جاء ذكر أسماء الله جلّ جلاله في محكم كتابه الكريم، قال تعالى:

{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ —} [سورة الإسراء: 110].

هذا بشكل عام، وورد اسمه ذو الجلال سبحانه في مواضع كما في قوله تعالى:

{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27].

كما ذكرت السُنّة السَنيّة بعضها وذكرت فضلها وبركتها؛ فعَنْ سيّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) الإمام البخاري رحمه الله الباري سبحانه.

ويتجلّى الله تبارك في علاه بأسمائه الحُسنى على عباده، وبعض أسمائه أسماء جمال مثل: الرحيم والغفور والشكور، وبها يحصل السرور والأُنس والبسط وبعضها أسماء جلال مثل: العظيم والقهّار، وبها يحصل الخوف والهيبة والانقباض، والتجلّي الإلهي يختلف تبعًا لهذه الأسماء المباركة؛ قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:

(إنّ الله سبحانه وتعالى إذا اقتضت مشيئته خلق شيء تجلّى بصفته المناسبة لذلك الشيء فيكون الشيء مخلوقاً فور التجلي) معالم الطريق لحضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه ص44.

ولا يخفى على جنابكم أنّ مجالس الختم الشريف هي مجالس ذكر شرعية مباركة، يتحصّل فيها الخير العميم الذي وصفه خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين في أحاديث كثيرة منها:

1- (إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا. قَالَ: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟  قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ. قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ. قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً. قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ: فِيهِمْ فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) متفق عليه.

2- (لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

3- عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:

(خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي، أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.

وهذه المكارم والمنن الموصوفة في النصوص الشريفة تفيض على الختم الشريف مسحة جمال عظيمة يشعر بها الجالسون كلٌّ بحسب حاله وما قسمه الله جلّ وعلا له من ذلك الرزق اللطيف الكريم.

والمربي (المرشد) رضي الله تعالى عنه وعنكم يتوجّه بقلبه الشريف على أهل الختم وينالهم من جمال رحمته وعطفه ما يؤنسهم ويشرح صدورهم ويزيد مجلسهم حُسناً وجمالا.

وعلى وفق ما تقدّم نفهم شيئا عن مجلس الجمال أي المجلس الذي يتجلّى الله سبحانه به على عباده بالرحمة والبركة والنور، وينالهم من حضور الملائكة الكرام – وهم مخلوقات نورانية لطيفة – فرحٌ وبركة وسرور.

وقد تسارع أساطين البلاغة وكبار الشعراء للاستفادة من نصوص الكتاب الكريم والسنّة المشرّفة لتجسيد هذه المعاني العظيمة التي تصوّر ما يمكن تصويره من قيم الجمال، ومن ذلك على سبيل الذكر لا الحصر:

رَبُّ الجَمَالِ تَعَالَى اللهُ خَالِقُهُ *** فَمِثْلَهُ فِي جَمِيْعِ الخَلْقِ لَمْ أَجَدِ

صلّى الله تعالى وسلّم وبارك عليه وآله وصحبه أجمعين.

ومنه أيضا ما قاله سيّدي حضرة الشيخ عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه واصفاً ربّنا جلّ جلاله بصفة الجمال في ديوانه الرائع نفحات الحياة، فقال:

يَا ذَا الجَمَال وَقَدْ أَعْـيَتْ مَوَاصِفُـهُ *** آمَنْتُ فَاجْلُوا الّذِي أُلْفِيْهِ مُحْتَجِبَا

رَجَوْتُ لَا عَنْ تُقًى مِنِّي وَصَالِحَةٍ *** لَكِنَّهُ الحُبُّ زَخَّارًا وَمُصْطـخِـبَا

لَـكِـنَّـهُ القَـلْـبُ فِـي آثَــارِ مُـتَّـبِـــعٍ *** بَارَكْـتَـهُ هَـادِيًـا مِـنَّـا وَمُـنْـتَـخِـبَا

فَامْنَحْ فَمَنْحَـتُـكَ الكُبْرَى لِذِي نَـدَمٍ *** قَدْ أَسْرَفَ الدَّهْرَ لَكِنْ لَازَمَ الأَدَبَا. نفحات الحياة ص66.

أمّا إذا تجلّى الله جلّ في علاه بأسماء الجلال على مجلس أو مكان أو شخص ما فإنّه سينال ذلك المكان أو الشخص منْ أثر ذلك التجلّي نصيبه المقسوم من صفات ذلك الاسم القُدسي الشريف، وللتجلّي الجلالي أثره الفاعل النافع بحسب علم الله سبحانه لجماعة ما، أو شخصٍ ما، لعلل كثيرة لا يحصرها العقل البشري المجرد.

وأروي سماعا من شيخي حضرة الشيخ عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه.

أنّ رجلا ممّنْ حضر مجلسا من مجالس الختم الشريف في جامع الوزير ببغداد فرّج الله تعالى عنها وعن أهلها لحقه عارضا حاله على مربّيه قائلا له: أشعر كأنّ رأسي ينصدع، فأجابه رضي الله تعالى عنه: هذا أثرٌ من آثار تجلّي الله سبحانه عليك بشكل خاص لحكمة أرادها جلّ وعلا، ثمّ قال لي رضي الله تعالى عنه: فأفصح الرجل وقال: إنّي بحاجة ماسّة إلى هذا الحال لكوني كثيرا ما أستسهل الذنوب والآثام، فأجابه حضرته قائلا: ينبغي على العبد أنْ لا يكشف ستر الله تبارك وتعالى عنه ويتوجّه إليه بصدقٍ وكمالِ همّةٍ وتوبةٍ نصوحةٍ.

أمّا اختلاف الأحوال بين مكة المكرمة والمدينة المنورة صلّى الله تعالى على ساكنها وآله وصحبه وسلّم فقد قال فيها العلماء رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم إنّ سبب ذلك هو اختلاف التجلّي أيضاً، ففي مدينة الرحمة المُهداة عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام يتجلّى الله تعالى تجلّيًا جماليًّا يُناسب باب رحمته العُظمى للعالمين، فيحصل للمكان ولمَنْ فيه أُنسٌ وسرور وانشراح وحبور، كيف لا وهي طيبة سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم التي قال الله جلّ جلاله عنها:

{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

وقال عزّ شأنه:

{وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80].

الأصل أنْ يقول: ربِّ أخرجني مخرَج صدقٍ وأدخلني مُدخَلَ صدقٍ، لأنّه صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم كان خارجًا من مكّة المكرّمة ولمّا يدخل المدينة بعد، لكنّه عدل عن هذا الأصل فقدّمَ الدخول للمدينة على الخروج من مكة، وفي هذا دليل على فضل المدينة المنورة على غيرها من المدن والأمصار.

قال حضرة نبيّنا المختار صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه الأبرار:

(مَا بَيْنَ هَذِهِ الْبُيُوتِ ـ يَعْنِي: بُيُوتَهُ ـ إِلَى مِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَالْمِنْبَرُ عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ) الإمام أحمد رحمه الله جلّ وعلا. وَالتُّرْعَةُ: البَابُ.

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:

(إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، وَهُوَ عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ —) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ وجلّ.

وقال:

(إِنَّ بُطْحَانَ عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ) الإمام ابن شبة رحمه الله سبحانه في تاريخ المدينة.

أمّا في مكة المكرمة فالتجلّي الإلهي جلالي يُناسب عظمة البيت العتيق الذي تهوي إليه قلوب العباد، يملئها التذلل والخضوع والانكسار، وَجِلةٌ خاشعة أمام أعتاب الملك القهّار، تُجدّد عهد العبودية والولاء للخالق العظيم ذي الجلال والبهاء القائل:

{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ —} [سورة الحج: 29 – 30].

فالمحل يتناسب معه الجلال والمهابة ليحصل التعظيم والإنابة والانكسار.

ومسألة الجمال والجلال من المسائل الروحية الذوقية التي تختلف درجاتها منْ شخص لآخر، كما يختلف وجودها عند شخص لآخر.

وممّا ينبغي التنبيه له أنّه لا يُحبّذ للسالك أنْ يتأثّر بأقوال وأحوال الآخرين لأنّ هذا الالتفات يؤخّره، كما إنّ الأحوال ليست واحدة عند الجميع، وقد لا تكون أحوالاً حقيقية أصلاً بل تكون نابعة منَ النَّفس التي تُوهم صاحبها بأمور غير صحيحة، فليست العبرة بحصول الأحوال والإحساس بها فقد ينتفع الذاكر أو السالك ويترقى بدون أنْ تمرّ به أحوال سالك آخر، بل العبرة في الاعتصام بالشريعة الغرّاء، والالتزام بما عاهد السالك عليه حضرة شيخه المربّي رضي الله تعالى عنه وعنكم، ومجاهدة النفس بالتجرّد من حظوظها التي قد تكون في باب الأحوال والمواهب التي يخصّ الله تبارك اسمه بها مَنْ يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على عظيم الخصال، كريم الفعال، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ذوي المراتب والأحوال.

والله جلّت قدرته أحكم وأعلم.