2019-10-21

السؤال:

السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته الله سبحانه يجازيكم عنا خير الجزاء سيدي ويرضى عنكم.

عفوا سيدي، سؤالي عن مبالغ من المال قد أعرتها لبعض المعارف والاصدقاء. ولكن يتعذر عليهم إرجاعها لي. فهل لي أنْ أعفيهم منها وأنويها كزكاة لهم؟ علما أنهم يستحقون الزكاة.

 

الاسم: سائل

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى جميل دعواتكم الصادقة، وبعد:

أسأل الله جلّ في علاه أنْ يُكرمكم بما هو أهله جزاء ما تُقدمون من العون لأحبابكم، والوقوف معهم حال العُسرة والحاجة، قال الحقّ جلّ جلاله: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7].

وقال سبحانه: {— وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

وعن سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الإمام مسلم رحمه الله المنعم جلّ وعلا.

وقال بعض العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بأفضلية القرض الحسن على الصدقة لقول نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:

(دَخَلَ رَجُلٌ الْجَنَّةَ فَرَأَى عَلَى بَابِهَا مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ) الإمام البيهقي رحمه الله سبحانه.

والقرض الحسن في الأصل هو الإنفاق في سبيل الله عزّ وجلّ ابتغاء مرضاته سبحانه، قال الإمام الطبري رحمه الله جلّ جلاله في تفسير قول الله عزّ شأنه:

{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [سورة البقرة: 245].

قال: (هذا في سبيل الله، فيضاعفه له أضعافا كثيرة).

وفي القرض الحسن من الخير الكثير والثواب الجزيل ما لا يعلمه إلا الله جلّت قدرته؛ قال الإمام القرطبي رحمه الله سبحانه في التفسير:

(قال الحسن والسدي: لا يعلم هذا التضعيف إلا لله وحده، لقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيماً} [سورة النساء: 40]) تفسير الإمام القرطبي رحمه الباري سبحانه.

أمّا إسقاط الزكاة مقابل الديون فهذا لا يجوز؛ لأنّ الزكاة ركن من أركان الإسلام ينبغي أن تسبقها نيّة خالصة؛ قال الله جلّ جلاله وعمّ نواله:

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].

وقال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:

(إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وهي أخذٌ وإعطاء، قال تعالى:

{خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة التوبة: 103].

وعليه فلابدّ من الأخذ والإعطاء.

والإبراء من الدَّيْن ليس أخذًا وإعطاءً، إذ الأخذ لابد أنْ يكون ببذل من المأخوذ منه؛ قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:

(— أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) الإمام البخاري رحمه الله الله جلّ في علاه.

فقال (تؤخذ من أغنيائهم وترد)، فلابد من أخذٍ وردّ، والإسقاط لا يوجد فيه ذلك؛ ولأنّ الإنسان إذا أسقط الدَّيْن عن زكاة العين التي في يده، فكأنّما أخرج الرديء عن الطيّب، لأنّ قيمة الدَّيْن في النفس ليست كقيمة العين، فإنّ العين مُلكه وفي يده، يتصرف به كما يشاء، والدَّيْن في ذمّة الآخرين قد يأتي وقد لا يأتي، فصار دون العين، فإذا كان كذلك فلا يصح أنْ يخرج زكاة عنها لنقصه، وقد قال تبارك اسمه:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلآ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُوۤاْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [سورة البقرة: 267].

وبعد: فإذا كان الحال كما ذكرتَ فلا زكاة على المال الذي أقرضته في أشهر أقوال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم إلا بعد عودته إليك فتزكّيه لسنة واحدة فقط.

وأخيراً يُستحب لجنابك أنْ تشكر الله تعالى الذي وفقك لخدمة إخوانك، وتسأله سبحانه أنْ يفتح عليك للتحلي بأخلاق الصالحين في التعامل مع المَدين، وذلك في ظلال هدايات قوله سبحانه:

{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 280].

وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم وبارك عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:

(كَانَ الرَّجُلُ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

والله سبحانه ولي توفيقنا وتوفيقك، وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والله تقدس اسمه أحكم وأعلم.