2019-10-20

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أسأل الله جلّ وعلا أن تكونوا بخير وصحّة جيّدة.

لقد وصلتني هاتين القصتين عبر الهاتف وأريد أنْ أعرف رأي حضرتكم بهما:

اختلف الإمامان الجليلان مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما فالإمام مالك يقول: إن الرزق بلا سبب بل لمجرد التوكل الصحيح على الله سبحانه يُرزق الإنسان مستنداً للحديث الشريف (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا)

أما الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فيخالفه في ذلك، إذ يقول: لولا غدوها ورواحها ما رزقت، أي إنّه لا بد من السعي.

فأراد الإمام الشافعي أن يثبت لأستاذه الإمام مالك صحة قوله، فخرج من عنده مهموماً يفكر، فوجد رجلاً عجوزاً يحمل كيساً من البلح وهو ثقيل فقال له: أحمله عنك يا عمّاه، وحمله عنه، فلمّا وصل إلى بيت الرجل، أعطاه الرجل بضع تمرات استحساناً منه لما فعله معه، هنا ثارت نفس الإمام الشافعي وقال: الآن أثبت ما أقول، فلولا أنّي حملته عنه ما أعطاني وأسرع إلى أستاذه الإمام مالك ومعه التمرات ووضعها بين يديه وحكى له ما جرى، وهنا تبسّم الإمام مالك وأخذ تمرة ووضعها في فَيِهْ وقال له: وأنت سُقت إليّ رزقي دونما تعب مني.

فالإمامان الجليلان استنبطا من نفس الحديث الشريف حكمين مختلفين تماماً وهذا من سعة رحمة الله تعالى بالناس.

وقرأت أيضا عن إبراهيم بن أدهم أنّه كان في سفر له وكان تاجراً كبيراً، وفي الطريق وجد طائراً قد كسر جناحه، فأوقف القافلة وقال: والله لأنظرن من يأتي له بطعامه، أم أنّه سيموت، فوقف ملياً، فإذا بطائر يأتي ويضع فمه في فم الطائر المريض ويطعمه. هنا قرّر إبراهيم بن أدهم أنْ يترك كلّ تجارته ويجلس متعبداً بعد ما رأى من كرم الله تعالى ورزقه، فسمع الشبلي رحمه الله جلّ وعلا بهذا فجاءه وقال: ماذا حدث لتترك تجارتك وتجلس في بيتك هكذا؟ فقصّ عليه ما كان من أمر الطائر، فقال الشبلي قولته الخالدة: يا إبراهيم، لم اخترت أنْ تكون الطائر الضعيف، ولم تختر أنْ تكون مَنْ يطعمه؟

سؤالي: ما قولكم في مثل هذه القصص والمقاطع؟ مع جزيل الشكر والتقدير.

 

الاسم: نزار.

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على دعائك، والحمد لله جلّ وعلا فأنا بفضلٍ من الله سبحانه بخير وعافية، وأسأل الله تبارك اسمه الذي بيده الداء والدواء أنْ يمنّ على جميع المرضى بالشفاء والسلامة إنّه أكرم الأكرمين.

قال الرزّاق خالق الأسباب جلّت ذاته:

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

وعن سيّدنا عليّ رضي الله تعالى عنه:

(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ شيئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ به الأرْضَ، فَقالَ: ما مِنكُم مِن أحَدٍ إلَّا وقدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، ومَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ. قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، أفلا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا، ونَدَعُ العَمَلَ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له، أمَّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقَاءِ فيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَن أعْطَى واتَّقَى * وصَدَّقَ بالحُسْنَى} [الليل /5-6] الآيَةَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

1- أوّلا أذكِّر بأمر لطالما ذكرته وهو أنّ منهج الأمّة الذي تسير عليه يؤخذ من الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة بفهم العلماء الراسخين رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

وما سِيَرُ الصحابة والتابعين ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله جلّ اسمه عنهم أجمعين إلّا ترجمة حيّة لهذا المنهج.

2- بعد البحث لم أجد مصدرا للقصتين، والقصة الثانية عليها تحفّظ، لأنّ سيّدنا إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى توفي سنة 162 هـ، والشيخ الشبلي رحمه الله جلّ وعلا عاش بين 247 – 334 هـ، فمحال أنْ يلتقي به، وقد قال حضرة شيخنا عبد الله الهرشمي جزاه الله سبحانه عنّا خيرا ونفعنا به عن سيّدنا إبراهيم بن أدهم عليه الرحمة والرضوان:

(بَلَغَ الإِخْبَارِيُّوْنَ بِأَخْبَارِهِ حَدَّ الأَسَاطِيْرِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الأَسَاطِيْرِ فِي شَيْءٍ) معالم الطريق: ص198.

لكن بشكل عام هذه القصص وأمثالها يجب أنْ تفهم على ضوء ما سأذكره.

3- القصص أسلوب من الأساليب التي استخدمها القرآن الكريم لأغراض عدّة، وهي جند من جنود الله جلّ وعلا يثبت بها قلوب عباده المؤمنين، قال جلّ جلاله وعمّ نواله:

{وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود عليه السلام: 120].

لكن القصص في غير القرآن العظيم والسنّة المطهّرة لا يستدلّ بها وإنّما يستأنس.

4- من حيث الجملة الأخذ بالأسباب واجب مع اعتقاد أنّ الأسباب لا تؤدي إلى المسببات إلّا إذا شاء ربّ الأرباب جلّ شأنه، ولا يجوز الإعراض عن الأسباب كلّها، وقد تواترت نصوصُ الكتاب العزيز والسنّة الشريفة بالأمر بفعل الأسباب المشروعة، فمَنْ يعرض عنها على وجه العموم يكون مخالفا للشرع الشريف.

أمّا من حيث الكلام عن السبب المعين، فهذا يختلف بحسب قوّة تأثير السبب أو ضعفه، وبحسب ما يرجى تحقيقه من المصلحة أو عدمها.

وكلّ ما ورد من القصص التي صحّت فإنّما تدخل تحت هذا الضابط، وهي حالات مخصوصة، فلا يوجّه إليها عامّة الناس.

5- المؤمن عليه الأخذ بالأسباب إنْ كان قادرا على تهيئتها، أمّا إنْ لم يستطع فهو كطائر مريض أو كسير، فلا يقتدى به في ترك العمل، فمثل هؤلاء يتكفّل الله سبحانه بأرزاقهم مع عدم مؤاخذتهم على ترك السبب.

6- مثل هذه القصص إنْ صحّت يجب أنْ توضع موضعها، وتفهم في إطار السلوكيات التي دلّت عليها النصوص، وسار عليها أهل الفقه والدراية من العلماء العاملين رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

7- قد تفهم من هذه القصص معايب ربّما يُراد إلصاقها بهؤلاء الأئمة رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

فنحن تعلّمنا من علوم الأئمة الراسخين رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنّه لا يجوز تجزئة النصوص، والنظر إلى بعضها دون بعض، بل تجمع وتستخدم آلة الاجتهاد للوصول إلى الحكم أو ما يقاربه بحسب الوسع، فلا نظنّ أنّ الأئمة أجازوا لأنفسهم بتر النصوص أو النظر إلى جزء منها.

8- ضرورة الانتباه، وعدم تداول هذه الرسائل قبل سؤال أهل الذكر رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وكذلك أهيب بأحبابي وبإخواني من الأئمة والخطباء حفظهم الله تعالى جميعا إلى عدم ذكر مثل هذه القصص إلّا بعد التأكد من صحتها، ثمّ إنْ ذكرت فبما يتوافق مع المنهج الشرعي الذي وجّه إليه حضرة الرحمة المهداة صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، وبما سار عليه المحققون من أهل العلم والتزكية رضي الله تعالى عنهم وعنكم، لأنّه قد يشمُّ منها ما لا يتوافق مع منهاجهم أو الشروط التي وضعوها للاجتهاد.

9- مثل هذه التأمّلات في النصوص نافعة في التدريب على سبر أغوارها والمماثلة بين ما يستنبط من أحكامها ريثما يصل المجتهد إلى ما يقرب من مراد الله سبحانه منها، فكلُّ مجتهد مثاب ومأجور وإنْ أخطأ، وما أشكل فيوكل إلى الله تعالى.

10- إنّ أهل الأحوال لا ينكر عليهم ولا يقتدى بهم، وما يصدر عنهم يعتبر حالة خاصة لا يجوز أنْ تعمّم.

وصلِّ اللهمّ على عظيم الهمّة في العلم والعمل سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم، ما سار سالك على ملِّته ووصل.

والله جلّ شأنه أعلم.