2019-10-08

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاكم الله جلّ وعلا كلّ خير على ما تقدموه في هذا الموقع من خدمة للدين.

رجل طلّق زوجته وله منها أولاد، ثمّ تزوج بأخرى دون علم طليقته، فرزقه الله تعالى من الثانية أولادا، فهل يجب أنْ يخبر أولاده من الأولى بأولاده من الثانية، أم لا يجب؟ وهو يظنّ ظنا راجحا أو متساوي الطرفين أنّه إذا أخبر بذلك تحصل فتن ومشاكل من الأولى والثانية. فماذا يصنع؟ وكيف يتصرّف.

 

الاسم: تحسين

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك وعلى جميل دعواتكم الصادقة، وبعد:

فلقد شُرعَ الطلاق في الإسلام لحالات خاصة، وحين تستحيل الحياة بين الزوجين، ولا يعني هذا أنْ تنقلب العلاقة بعد الطلاق الى العداء والبغضاء، بل قد وجه الشرع الشريف إلى الإحسان والمعروف في الطلاق فقال عزّ من قائل:

{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ —} [سورة البقرة: 229].

وقال سبحانه:

{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ —} [سورة البقرة: 231].

فينبغي على هذا الرجل أنْ يفارق بمعروف، وأنْ يُحسنَ إلى أولاده وأمّهم، ولا ينبغي أنْ تنعكس حالة الخلاف والبغضاء على الأولاد فيقلّ الارتباط معهم أو تضمحل العاطفة نحوهم، فهم أبناؤه الذين تجب النفقة عليهم ومتابعتهم بالطريقة التي لا ينبغي معها أنْ يشعروا بالحرمان والقطيعة، وإلا فأولاد المطلقين أيتامٌ حُكمًا، وهذا ما لا يرضاه الشرع الشريف؛ وعليه يتوجّب عليه أنْ يكسب ودّهم ويزرع فيهم المحبّة والإخاء وصلة الرحم حتى إذا ما أبلغهم بشيء عن إخوتهم – من زوجته الجديدة – استقبلوه عن طيب نفس، ومثل هذا ينبغي فعله مع أولاده الآخرين، كما ينبغي أنْ يحرص على تلاقيهم ليتعارفوا ويُحب بعضهم بعضا، بعد أنْ يهيئ زوجته الجديدة لمثل هذا الحال، ويجعلها له عضُدًا وسندًا في الخير؛ فهو بالأول والأخير المسوؤل عن الجميع، قال النبيّ الشفيع صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:

(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.

والمسلم الذي ينوي فعل الخيرات ينبغي له أنْ يتوكّل على الله جلّ في علاه خالق الأرض والسموات، ولا يقف عند وساوس الشيطان الذي يَعِدُ بالفقر والفحشاء والخُسران ويملأ الصدر خوفًا وشكًّا وحسرات، وهم جميعا بفعلهم هذا يعملون على صلة الرحم وتوثيق عرى الإخوّة، فالأخ سندٌ لأخيه، قال جلّ جلاله وعمّ نواله:

{— سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيْكَ —} [سورة القصص: 35].

كما ينبغي التحذير من مغبّة عدم معرفة الأخ لإخوانه فقد يكبر الأولاد وتكبر معهم حجم القطيعة التي تنعدم معها المشاعر بعد طول زمان، وقد تحدث بعد انتقال الوالد مشاكل كثيرة تخصّ الإرث والتركات.

وقد سجّلت وقائع الناس قصصًا مؤلمة عن تعارف شابٍّ بفتاة وصلت العلاقة بينهما إلى حدّ الاتفاق على الزواج ثمّ تبيّن بعد ذلك أنّهما أخَوَان!!! وإلى غير ذلك من الأضرار الروحية والنفسية المتعلقة بقطيعة الأبناء وعدم معرفتهم لبعضهم البعض.

وأخيرًا لابدّ من توجيه كلمة تحذير وتنبيه إلى الطليقة، والزوجة الثانية، فلهما دورهما الفاعل في هذا الجانب سلبًا أو إيجابًا، ففي الجانب السلبي قد تعمل الطليقة على إيغار صدور الأبناء على أبيهم خاصّة إذا تزوّج بامرأة أخرى؛ وفي هذا الفعل المشين مِنَ الشرّ والإثم ما الله جلّ وعلا به أعلم، بل ينبغي عليها أنْ تُذكّر أولادها دومًا بضرورة البِرّ بأبيهم والإحسان إليه؛ ففي الحديث الشريف:

(الوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ البَابَ أَوْ احْفَظْهُ) الإمام أحمد رحمه الله الممجّد سبحانه.

وبمثل هذا الاتجاه قد تُعامِل الزوجة الجديدة أولاد زوجها بجفاء أو برود أو غلظة؛ وهذا يتنافى مع صفات الأمّ المسلمة الذي ينبغي أنْ تتحلّى بالرحمة والشفقة والإحسان، فينبغي أنْ يجدوا عندها حنانَ أمٍّ ثانية تجبرُ كسرهم؛ فإنَّ مِنْ أعظم القربات عند الله عزّ وجلّ جبر الخواطر المنكسرة.

ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (66، 215، 248، 540، 899، 946، 1763) في هذا الموقع الكريم.

أسأل الله تعالى أنْ يمنح هذا الرجل وغيره الحِكْمَة والصبر والهمّة الصالحة للإحسان إلى أبنائه، وأنْ يوفقه لحُسن تربيتهم وتوجيههم وزوجته إلى مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، إنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والله عزّ شأنه أحكم وأعلم.