2019-10-03

السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

اشلون حضرة الشيخ المبارك، أسأل حضرتكم عن اللطائف السبع كيف أذكر الله بها القلب والروح والسرّ والخفي والأخفى والنفس والجسد فكيف يترقى بها السالك إلى الله وكيف يكون ذكر الذات والسلام.

 

الاسم: صهيب كاظم فرهود

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيب مع هذا الموقع المبارك، وبعد:

فإنّ الحديث عن هذه اللطائف أمرٌ اجتهادي؛ وفي مجال الاجتهاد قد تتعدد وجهات النظر، فمثلا في مدرستنا الروحية المباركة لا نعتبر الجسد من اللطائف؛ فالجسد هو الجانب البيّن الواضح الظاهر منَ الإنسان، وهو كثيفٌ لأنّه من الطين.

أمّا اللطائف الأخرى فلقد ذكر القرآن الكريم بعضها، وذكر بعض صفاتها وطاقاتها وآثارها، وهذه بعض تلك الآيات الكريمة:

1- {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [سورة الرعد: 28].

2- {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [سورة الإسراء: 85].

3- {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ} [سورة سيدنا يوسف عليه السلام: 53].

4- {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [سورة سيّدنا طه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: 7].

ولقد دعت شريعتنا الغرّاء للاهتمام بالجانب العملي في الإسلام الذي يتبلور إلى تفاعل مثمر في واقع الحياة، وفهم بعض هذه المصطلحات مثل النفس والإفادة من بعض تلك اللطائف مثل القلب، واتخاذ السُبُل لاستنهاضها وتفعيلها واجبٌ شرعي مهم جدًّا في حياة المسلم الدنيوية والأخروية، ففي الحديث عن النفس مثلاً دعا الله سبحانه إلى تزكيتها بعد أنْ ذكرها في مواطن عدّة، كما في قوله عزّ شأنه:

{— وَنَفۡسࣲ وَمَا سَوَّىٰهَا * فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا * قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا} [سورة الشمس: 7-10].

وعن القلب قال تبارك وتقدّس:

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [سورة الحج: 46].

وعن سيّدنا النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال:

(سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ: أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ). متفق عليه.

ولقد تكلّم العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم عن هذه اللطائف ودوّنوا هذه المصطلحات في مؤلفاتهم، وتباينت نوعاً ما في إطار الثقافة الروحية لهذه المعاني كلٌّ بحسب مدرسته؛ ففي قواعد مدرستنا الروحية الشريفة أنّ للروح قوى ثلاث: الفكر والنفس والقلب، والثلاث القوى متمايزات ومتفاعلات:

فالفكر: قوة روحانية بها يدرك الروح ويعلم ويتأمل ويعقل ويفهم ويتخيل ويتذكر ويستنتج، ومظهر ارتباطها بالجسد الترابي هو الدماغ.

والنفس: هي القوة الدافعة إلى الشهوات والأمارة بالسوء، ومظهر ارتباطها بالجسد غدة في الثالث من تجاويف الدماغ قبالة ما بين العينين من الجبهة تقريبا.

والقلب: قوة روحانية لطيفة ذات مِرَّةٍ (أي قوّة وإحْكَام) لها الإرادة ولها التأثير البليغ في القوتين الأخريين وأيضا تختص بمعقولات لا تصلها القوتان الأخريان، ومظهر ارتباطها بجسد الإنسان هو العضو الصنوبري الجسماني الموجود في تجويف الصدر والمسمّى باسم القلب عينه، ولمزيد فهم وإطلاع عن هذه اللطائف وواجب المسلم نحوها أرجو قراءة كتاب معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي لسيّدي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه، وقراءة كتاب الرابطة القلبية المنشور في هذا الموقع المبارك، كما أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (231، 770، 1181، 2224) وغيرها من الأسئلة الواردة في باب الذكر والتزكية والسلوك في هذا الموقع الكريم أيضا.

ولا يُستحب الانشغال بكلّ المصطلحات والألفاظ التي ذكرها العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في مؤلفاتهم مثل الخفي والأخفى والسّر؛ فليس كلُّ ما يُكتب يمكن فهمه أو العمل به أو قد جاء وقته وزمانه.

وفيما يأتي بعض ما ذكره السادة العلماء المفسرون رضي الله تعالى عنهم وعنكم عن السّر والأخفى وهما لا يُعدّان من لطائف الروح عندنا كما أسلفنا.

عن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} قال:

(السرّ: ما أسرّ الإنسان في نفسه; وأخفى: ما لا يعلم الإنسان ممّا هو كائن) تفسير الإمام الطبري رحمه الله جلّ وعلا (18/272).

أي أنّ السرّ: ما تعلمه أنت ولا يعلمه أحد من الخلق غيرك.

والأخفى: ممّا لا تعلمه أنت ولا غيرك إلا ربّك سبحانه، وهو السرّ الذي ستنشؤه بعد خمس سنوات مثلا، وهذا السرّ حتما لا يعلمه الإنسان لكنّ الله جلّ وعلا يعلمه.

والخَفيّ: اسم مصدر خفَى، وهو ما خُفي عن الخلق فلا يعلم به إلا الحقّ سبحانه، وهو دون الأخفى في الستر والاختفاء، فنسبة الخفاء أعلى في الأخفى منَ الخفيّ.

وإذا كان جنابك سالكاً طريق الإحسان على يد مرشد كامل موصول اليد بسيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه فالتزم أمره وتوجيهه، وأكثر من الرابطة معه فذلك سبيل رقيّك في مقامات العمل الروحي الإسلامي، وإذا لم تكن سالكاً فبادر إلى ذلك والله تعالى ولي توفيقنا وتوفيقك.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على النبيّ المبارك وعلى آله وصحبه ما أشرق نهار أو ليل تدارك.

والله عزّ وجلّ أحكم وأعلم.