2019-09-25

السؤال:

السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته:

هل يجوز أنْ يقول المُقرض للمُقترض (أقرضتك المبلغ فإنْ متُّ أنا قبل السداد فأنت في حلّ) أم أنّ مبلغ القرض يتحول حقاً للورثة؟

 وجزاكم الله عزّ وجلّ خيراً.

 

الاسم: عبد السلام احمد

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا لك أخي الكريم على هذا السؤال، وعلى تواصلك مع هذا الموقع المبارك.

أود أن استهل الإجابة بقول الله جلّ في علاه: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد:11].

وقوله سبحانه: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المزمل:20].

وقوله جلّ جلاله: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [التغابن:17].

وقول سيّدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ تَعالى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ:

(رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَاب: الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.

وعظم ثواب القرض لأنّ فيه توسعة على المحتاج وتفريجا عنه واعانة له، لذا كان أجر القرض أضعافا مضاعفة، وأضعافا كثيرة.

وصاحب المال حين يقرض ماله لأحد ما، فعليه أنْ يكتب مقدار ذلك المال، ومدة سداده، فإنْ لم يجد ما يكتب به فعليه بالإشهاد، قال الله جلّ ذكره:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282].

والمقرض هو صاحب حق، فله أنْ يطالب بحقّه من غير زيادة أو تعسّف في أخذ المال، قال ربّنا عزّ شأنه:

{— وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 279 – 281].

كما أنّ المقرض له أنْ يهب ما بذمّة المستقرض ويبرئه من الدَّيْن، وهذا فعل نبيل وخلق رفيع، إذ إنّ أوله إعانة بقرض حسن وآخره هبة وتصدّق، قال الحبيب المحبوب صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب:

(كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوْا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وله أنْ يوصي بالعفو عن تلك الحقوق بعد موته، فتكون وصية وليست هبة، فالهبة حال الحياة، والوصية لما بعد الممات.

والهبة المعلقة بالموت تؤول وصية، فتصح بشروط الوصية، لأنّ العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.

والورثة عليهم أنْ ينفذوا وصية مورثهم إنْ كانت بحدود الثلث، فإنْ زادت عن الثلث فهم بالخيار أخذوا الزائد أو أمضوا وصية مورثهم، قال تعالى:

{— مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ —} [النساء: 12].

أمّا إنْ كان المستقرض أحد الورثة، فلا وصية له، إلّا أنْ يتنازل الورثة الباقون عن حقهم له، فإذا رضي الورثة، وأجازوا الوصية أو خصّوا بعضهم ببعض التركة جاز ذلك.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.

والله جلّ جلاله أعلم.