2019-09-22

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

من المعلوم أنّ جمع القرآن الكريم بهذه الصورة التي نراها اليوم حدث بعد انتقال النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، فكيف يقال: إنّ ترتيب السور والآيات توقيفيّ؟ أرجو توضيح هذه المسألة مع جزيل شكري وتقديري.

 

الاسم: براء.

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

حيّاك الله جلّ وعلا في هذا الموقع الكريم.

1- من المعلوم الذي لا شكّ فيه أنّ الله سبحانه قد تكفّل بحفظ القرآن الكريم، قال جلّ جلاله:

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

وصان هذا الكتاب من جميع ما يمكن أنْ ينتاب غيره من الكتب فقال عزّ من قائل:

{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فُصِّلَتْ: 42].

2- لَحِقَ حَضْرَةُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ بِالرَّفِيْقِ الأَعْلَى وَلَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ العَظِيْمُ قد جُمِعَ مكتوبا في شَيْءٍ إلّا شيئا يسيراً، لكن كان مجموعاً حفظاً متفرّقاً في صدور الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وفيما تيسّر من وسائل الكتابة كالعسيب (جريد النخل) والجلود وغيرها، وعدم جمعه مكتوبا في وقتها كان لِمَا بيّنه الإمام الخطابي رحمه الله سبحانه بوُرُودِ نَاسِخٍ لِبَعْضِ أَحْكَامِهِ أَوْ تِلَاوَتِهِ، فلَمَّا انْقَضَى نُزُولُهُ بِلحُوْقِهِ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام أَلْهَمَ اللَّهُ جلّ وعلا الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ رضي الله عزّ وجلّ عنهم ذَلِكَ وَفَاءً بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ بِضَمَانِ حِفْظِهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ سيّدنا الصِّدِّيقِ بِمَشُورَةِ سيدنا عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما وجزاهما عن الأمّة خير الجزاء.

3- بعد لحوق سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين استقرت الأحكام وأمِن النسخ وتقرّر الترتيب ووجد من الدواعي ما يقتضي نسخه في صحف، ومِنْ هنا فقد هيّأ الله تبارك اسمه الوسائل والسبل ليتحقق هذا الوعد بحفظه واقعاً مشاهداً متحدياً ومعجزاً على مرِّ الزمان واختلاف المكان، فوفّق الله جلّ ثناؤه الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم وألحقنا بهم، فقاموا بهذا الجمع المبارك للقرآن الكريم.

4- إنّ ترتيب آيات القرآن العظيم كان بتوقيف من حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله ومَن والاه وسلّم عن ربّ العزّة جلّت عظمته وأنّه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه، بل كان سيّدنا جبريل عليه السلام ينزل بالآيات على سيّدنا الرسول صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ويرشده إلى موضع كلّ آية من سورتها، ثمّ يقرؤها النبيّ عليه الصلاة والسلام وعلى آله وأصحابه هداة الأنام، ويأمر كتّاب الوحي بكتابتها مُعَيِّنًا لهم السورة التي تكون فيها الآية وموضع الآية من هذه السورة، وكان يعارض به سيَّدنا جبريل عليه السلام كلّ عام مرّة (أي: كَانَ يُدَارِسُهُ جَمِيْعَ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيْمِ؛ مِنَ المُعَارَضَةِ، وَهِيَ: المُقَابَلَةُ، وَمِنْهُ عَارَضْتُ الكِتَابَ بِالكِتَابِ، أَي: قَابَلْتُهُ بِهِ) وَعَارَضَهُ به في العام الأخير مرّتين، فَعَنْ سَيِّدِنَا عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ:

(كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا إِذْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ ثُمَّ صَوَّبَهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُلْزِقَهُ بِالْأَرْضِ، قَالَ: ثُمَّ شَخَصَ بِبَصَرِهِ فَقَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ هَذِهِ الْآيَةَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد سبحانه.

كما أنّ ترتيب سور القرآن الكريم توقيفي على الراجح.

فإجماع الأمّة انعقد على ترتيبه على هذا النمط الذي نراه اليوم بالمصاحف.

5- الجمع الذي كان على عهد سيّدنا أبي بكر رضي الله تعالى عنه هو جمع من الصدور ونقل من العُسب (جريد النخل) واللِخاف (صفائح الحجارة) وغيرها في صحف مجموعة في كتاب واحد، والجمع الذي كان على عهد سيّدنا عثمان رضي الله سبحانه عنه هو نقله من المصحف إلى مصاحف كُتِبت على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم؛ ليجتمع الناس على قراءة واحدة، وكلا هذين كان وفق الترتيب المحفوظ المستفيض عن حضرة المصطفى صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الصدق والوفا عن أمين وحي السماء سيّدنا جبريل عليه السلام عن ربّ العزّة تقدّست ذاته وجلّت صفاته.

عَنْ سَيِّدِنَا ابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: (قُلْتُ: لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة: 234]، قَالَ: قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا؟ أَوْ تَدَعُهَا؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ) الإمام البخاري رحمه ربّنا الباري سبحانه.

وعن سليمان بن بلال رحمه الله عَزّ وجلّ قال:

(سمعت ربيعة يسأل: لم قُدِّمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة مكية، وإنما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قُدِّمتا وأُلِّف القرآن على علم ممّن أَلَّفه به، ثمّ قال: فهذا ممّا يُنْتَهى إليه ولا يُسأل عنه) ابن أشته رحمه الله تعالى في كتاب المصاحف.

وبهذا تبيّن أنّ سَعْيَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ فِي جَمْعِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لَا فِي تَرْتِيبٍه؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ الكَرِيْمَ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الَّذِي هُوَ فِي مَصَاحِفِنَا الْآنَ أَنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا.

وصلّى الله تعالى وسلّم على حضرة الإمام المعظّم والنبيّ المكرّم سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أولي الهمم في خدمة دين سيّد الأمم.

والله جلّت ذاته أعلم.