2019-08-18

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

نشكركم على ما تقدموه من خدمة في هذا الموقع الكريم، نسأل الله جلّ وعلا مزيدا من الرقيّ والتألّق.

هل ورد الأمر الشرعي بتطهير المساجد وتبخيرها؟ وما الحكمة من ذلك؟

مع جزيل الشكر والتقدير.

 

الاسم: حيدر

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله عزّ وجلّ خيراً على دعواتك الطيّبة، وأسأله سبحانه أنْ يديم نفع الموقع ببركة دعواتكم ومساهماتكم ودعمكم له.

لقد وردت نصوصٌ شريفة في الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة تأمر بتطهير المساجد، فمن الكتاب العزيز قوله جلّ وعلا:

{— وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125].

ومع أنّ سبب نزول الآية الكريمة هو فعل سيّدنا إبراهيم وسيّدنا إسماعيل على نبينا وعليهما والآل والأصحاب الصلاة والسلام، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما أجمع على ذلك أهل الأصول رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وأنّ فعلهما من السنن الشريفة التي يقتدى بها، فكلمة (بيتي) لا تقتصر على البيت الحرام بل لكلّ مسجد الذي هو بيت من بيوت الله سبحانه، قال نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:

(مَنْ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، فَهُوَ زَائِرُ اللهِ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ الزَّائِرَ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.

وفي رواية أخرى قال:

(مَنْ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِي فَإِيَّايَ زَارَ، فَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ) الإمام ابن بشران رحمه الله عزّ وجلّ في الأمالي.

ومن كلام ربّ العالمين سبحانه إلى السنّة النبوية الشريفة إذ وردت نصوص عديدة في شأن تطهير المساجد والعناية بها، منها:

1- عن أمّنا السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

(أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ وعلا.

2- عن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:

(أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ أوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ، فَسَأَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنْه، فَقالوا: مَاتَ، قالَ: أفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي به دُلُّونِي علَى قَبْرِهِ – أوْ قالَ قَبْرِهَا – فأتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا) متفق عليه.

وتنظيف بيوت الله عزّ وجلّ وتطييبها وتحسينها تعظيمٌ لشعائر الله سبحانه وهو من علامات تقوى القلوب، قال جلّ جلاله:

{ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].

ولكونها مأوى للملائكة الكرام عليهم السلام الذين يتأذون ممّا يتأذى به بنو آدم كما ورد في الحديث الشريف:

(مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ ذكره.

وأنّ التطيّب ممّا حُبّب إلى سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه حيث قال:

(حَبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُم النِّسَاءُ وَالطِّيْبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) الإمام النسائي رحمه الله عزّ شأنه.

ويجب على المسلم أنْ يتفاعل مع هذه النصوص الشريفة والآثار الكريمة، فمثلاً يحاول أنْ يستشعر وجود الملائكة الكرام عليهم السلام في هذه البقاع الطاهرة كما أخبر سيّدنا رسولُ الله صلوات ربّي وسلامه عليه وآله وصحبه، مثل جلوس الملائكة الكرام على أبواب المساجد إذ جاء في الحديث الشريف:

(إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ المَلاَئِكَةُ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) متفق عليه.

فعلى المسلم أنْ يتوقف برهة وهو داخل لصلاة الجمعة ويستشعر هذا الحضور الكريم والمشهد العظيم للملائكة الكرام عليهم السلام وفي أيديهم الصحف يكتبون فيها اسمه وأسماء مَنْ سبقوه ومَنْ يلحقون به، ليزداد إيماناً وروحانية وتفاعلاً مع أحاديث نبيّه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام.

وعلينا أنْ ننتبه لهذه التوجيهات الربّانية والنبوية الشريفة إذ هي ممّا تعدّ المسلم ليكون منسجماً مع جمال الكون وخالقه عزّ وجلّ، والصفات الطيّبة للذوات المباركة كي يكون كما أمره نبيّه عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين شامة بين النّاس:

(إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ، حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه.

وأرجو مراجعة ما أوردته في محاضرات حول هذا الموضوع سواء في هذا الموقع المبارك أو على قناتي في اليوتيوب.

وصلى الله تعالى وسلم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.