2019-08-08

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

نشكركم على ما تقدموه في هذا الموقع الطيّب من خدمات للمسلمين والمسلمات سائلين الله عزّ وجلّ لكم مزيدا من التوفيق إنّه سبحانه سميع مجيب.

طيّار اشترك في حرب بين دولتين مسلمتين وأمر بقصف هدف ليلا، فأدى هذه المهمة، لكنّه علم في الصباح أنّ الهدف الذي تمّ قصفه كان لأبناء بلده وليس للجهة المعادية، وعرف أيضا أنّ رجلا قد استشهد، والبقية جرحوا، ولم يعلم بعد ذلك هل مات منهم أحد بسبب جروحه أم لا، والآن يريد أنْ يتوب فهل يجب عليه شيء؟  

 

الاسم: رائد:

 

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على دعواتكم الصادقة وتواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك.

وبعد:

فإذا حصل قتلٌ بالخطأ فليس على القاتل من قصاص ولا عقوبة، وإنّما الكلام في الديّة والكفارة. قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:

(الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْخَطَإِ، وَهُوَ أَنْ يَقْتُلَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ كَافِرًا، وَيَكُونُ مُسْلِمًا. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذَا خَطَأٌ، لَا يُوجِبُ قِصَاصًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ مُسْلِمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّهُ صَيْدًا فَبَانَ آدَمِيًّا) المُغني للإمام ابن قدامة رحمه الله عزّ وجلّ (8/272).

وعليه فلا تجب العقوبة أو القصاص، وإنّما تجب الدية والكفارة لقوله سبحانه:

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [سورة النساء: 92].

أمّا الديّة فتجب على عاقلة القاتل، والمراد بالعاقلة: عصبة الجاني عند جمهور العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وهم أقرباؤه من جهة الأب: الإخوة وبنوهم، ثمَّ الأعمام وبنوهم، ثمَّ أعمام الأب وبنوهم، ثمَّ أعمام الجد وبنوهم.

وهناك أقوالٌ أخرى في مسألة العاقلة قد تنفع مَنْ هُمْ في شاكلتك، فقد تكون العاقلة هي الجماعة التي ينتمي إليها الشخص في مهنته.

فكلُّ جماعةٍ يربط بينهم تنظيمٌ واحدٌ بحيثُ يكونون ممّنْ ينصرُ بعضُهم بعضًا، فلهُمْ حكمُ العاقلة، وهذا يشمل أهلَ الحِرْفَةِ الواحدة، وأهلَ التنظيمِ الواحد.

(وَلِهَذَا التَّنَاصُرِ أَسْبَابٌ مِنْهَا مَا يَكُونُ بَيْنَ أَهْلِ الدِّيوَانِ بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي الدِّيوَانِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بَيْنَ الْعَشَائِرِ، وَأَهْلِ الْمَحَالِّ، وَأَهْلِ الْحِرَفِ) المبسوط للإمام السرخسي رحمه الله جلّ جلاله (26/66).

وقد نصَّ بعضُ الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّ أهلِ الدِّيوان – وهم الجيشُ، أو العسكر الذين كُتبت أسماؤهم في الدِّيوان – يتحمّل بعضُهم ديةَ بعضٍ.

قال الشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البرية عزّ وجلّ:

(فَلَمَّا وَضَعَ عُمَرُ الدِّيوَانَ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ جُنْدَ كُلِّ مَدِينَةٍ يَنْصُرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيُعِينُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَقَارِبَ فَكَانُوا هُمْ الْعَاقِلَةَ) مجموع الفتاوى (19/256).

وتعطى الديّة لورثة القتيل مقسمة على ثلاث سنوات:

(وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهَا مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ فَإِنَّ عُمَرَ، وَعَلِيًّا، – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، جَعَلَا دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، وَاتَّبَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ) المغني (8/378).

(وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا عنه.

وقد تدفع الديّة من بيت مال المسلمين، وهذا ما يجب أنْ يكون في حالتك، فعلى الدولة أنْ تتحمّل دية القتيل واحدا كان أو أكثر – إذ يجب التأكد من ذلك – كما عليها أنْ تتحمّل تكاليف معالجة الجرحى ودفع التعويضات الأخرى الناتجة بسبب الأضرار التي حصلت جراء القصف، فعنْ سيّدنا محمود بن لبيد رضي الله تعالى عنه قال:

(اخْتَلَفَتْ سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَمَانِ أَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَ أُحُدٍ وَلَا يَعْرِفُونَهُ فَقَتَلُوهُ فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدِيَهُ، فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) الإمام أحمد رحمه الله سبحانه.

وهذا يدلّ على وجوب الديّة، وظاهر الرواية أنّها تجب في بيت مال المسلمين، ويؤكد هذا ما رواه الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه:

(فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ بِدِيَةٍ) الأم (6/43).

أمّا إذا تعذّر ما تقدم وكان الحادث قديماً ويصعب عليك معرفة هوية القتلى وأعدادهم، ففي مثل هذه الحالة تدفع الديات إلى بيت مال المسلمين كما قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فعليك إذن أن تبذل جهدك في التحري وتحديد مقدار الدية أو الديات والخسائر الأخرى على نحو تقريبي، ثم تقوم بوضعها في مصالح المسلمين العامة.

أمّا بالنسبة للكفارة فينبغي عليك التحري أولاً عن وجود رقبة مؤمنة في هذا الوقت – فقد تكون هناك رقاب في بعض الدول الأفريقية وغيرها – لتقوم بتحريرها، إذ أصبحت الأرض اليوم بسبب وسائل التواصل الحديثة قرية صغيرة يسهل على المرء فيها الحصول على مبتغاه، فإذا لم يكن هناك رقبة فعليك بصيام شهرين متتابعين كما نصّت عليه الآية الكريمة أعلاه.

والكفارة واجبة على الفور؛ فلا ينبغي تأخيرها خشية أنْ يداهم صاحبَها الموتُ وهي في ذمّته، كما تجب كفارة مستقلة عن كلّ نفس قُتلت مهما كثر القتلى؛ فمَنْ قتل ثلاثة وجب عليه عتق ثلاث رقاب، وهكذا.

وصيام شهرين في كفارة القتل لا بدّ أنْ يكون متتابعًا، ولا يجوز للقادر على الصيام الفطر لمجرد الاستراحة أثناء هذا الصيام، فإنْ أفطر من غير عذر شرعي فقد بطل ما مضى من الصيام، ووجب عليه أنْ يبدأ صيام شهرين من جديد، فإنْ كان الفطر أثناء الصيام المذكور لعذر شرعي مثل المرض الشديد فلا ينقطع التتابع، بل يجب تكميل ما بقي من الصيام.

واللهَ تعالى أسأل أنْ يغفر لنا ولكم ويهدينا سُبل السلام إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله تعالى وسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والله سبحانه أحكم وأعلم.