السلام عليكم حضرة الشيخ سعد الله حفظك الله ونفعنا من علومكم وتوجهاتهم الشريفة.

أسأل حضرتكم عن حكم البروستيجة التي توضع على الشعر.

وجزاكم الله خيرا.

الاسم: أبو أفنان

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

بارك الله عزّ وجلّ فيكم على دعواتكم الصادقة ولكم بمثلها وزيادة.

البوستيجة أو (البوستيج) هو تركيب الشعر على الرأس بالمفهوم الحالي، وهو ما يعرف شرعا بالوصل في الشعر، ولقد نهى سيّدنا رسول الله صلّى الله وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه عن ذلك، فعَنْ أم المؤمنين سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا:

(أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ تَزَوَّجَتْ، وَأَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَمَعَّطَ شَعَرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

(الواصلة) هي التي تصل الشعرَ بغيره، والمستوصلة التي تطلب فعل ذلك أو يُفعل لها.

وَعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

(أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجَّ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ، وَكَانَتْ فِي يَدَيْ حَرَسِيٍّ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ المَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ؟ وَيَقُولُ: إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.

والحرسيّ: هو أحد الحرس الذين يحرسون الحاكم، وقد يراد به الجندي.

وفي شرح صحيح البخاري لابن بطال رحمه المتعال جلّ جلاله:

(قال الطبري وغيره: في هذه الأحاديث من الفقه أنّه لا يجوز لامرأة أنْ تصل شعرها بشيء يتجمل به ويظنّ مَنْ يراه أنَّه شعرها —)

عَنِ السَّيِّدَةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَتْ:

(جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي ابْنَةً عُرَيِّسًا (تصغير عروس وهو يقع على المرأة والرجل عند الدخول بها) أَصَابَتْهَا حَصْبَةٌ (مرض مُعْدٍ يخرج بثورا في الجلد) فَتَمَرَّقَ(تساقط) شَعْرُهَا أَفَأَصِلُهُ، فَقَالَ: لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ وجلّ.

وذكر الإمام النووي رحمه الباري سبحانه في شرحه للحديث في صحيح مسلم ما نصّه:

(وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْوَصْلِ وَلَعْنِ الْوَاصِلَةِ وَالْمُسْتَوْصِلَةِ مُطْلَقًا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ وَقَدْ فَصَّلَهُ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا:

إِنْ وَصَلَتْ شَعْرَهَا بِشَعْرٍ آدَمِيٍّ فَهُوَ حرام بلا خلاف سَوَاءٌ كَانَ شَعْرَ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، وَسَوَاءٌ شعر المَحْرَم والزَّوج وغيرهما بلا خلاف، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِشَعْرِ الْآدَمِيِّ وسائر أجزائه لِكَرَامَتِهِ بَلْ يُدْفَنُ شَعْرُهُ وَظُفْرُهُ وَسَائِرُ أَجْزَائِهِ.

وَإِنْ وَصَلَتْهُ بِشَعْرٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَ شعرا نجسا – وَهُوَ شَعْرُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُ مَا لَا يُؤْكَلُ إِذَا انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهِ – فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا للحديث، ولأنّه حَمَلَ نَجَاسَةً فِي صَلَاتِهِ وَغَيْرِهَا عَمْدًا، وَسَوَاءٌ في هذين النوعين المتزوجة وغيرها مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ.

وَأَمَّا الشَّعْرُ الطَّاهِرُ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ ولا سيّد فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:

أحدها: لا يجوز لظاهر الأحاديث.

والثاني: لا يحرم.

وَأَصَحُّهَا عِنْدَهُمْ إِنْ فَعَلَتْهُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَوِ السَّيِّدِ جَازَ وَإِلَّا فَهُوَ حَرَامٌ، قَالُوا: وَأَمَّا تَحْمِيرُ الْوَجْهِ وَالْخِضَابُ بِالسَّوَادِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ أَوْ كَانَ وَفَعَلَتْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَحَرَامٌ، وَإِنْ أَذِنَ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ هَذَا تَلْخِيصُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ.

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالطَّبَرِيُّ وَكَثِيرُونَ أَوِ الْأَكْثَرُونَ: الْوَصْلُ مَمْنُوعٌ بِكُلِّ شَيْءٍ سَوَاءٌ وَصَلَتْهُ بِشَعْرٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ خِرَقٍ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جابر الذي ذكره مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا.

وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ وَلَا بَأْسَ بِوَصْلِهِ بِصُوفِ وَخِرَقٍ وَغَيْرِهَا.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ وَهُوَ مرويٌّ عن عائشة ولا يصح عَنْهَا، بَلِ الصَّحِيحُ عَنْهَا كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، قَالَ الْقَاضِي: فَأَمَّا رَبْطُ خُيُوطِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لا يشبه الشعر فليس بمنهيّ عنه لأنّه ليس بوصل ولا هو في معنى مقصود الوصل وإنّما هُوَ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّحْسِينِ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ وَصْلَ الشَّعْرِ مِنْ الْمَعَاصِي الْكَبَائِرِ لِلَعْنِ فَاعِلِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُعِينَ عَلَى الْحَرَامِ يُشَارِكُ فَاعِلَهُ فِي الْإِثْمِ كَمَا أَنَّ الْمُعَاوِنَ فِي الطَّاعَةِ يشارك في ثوابها، والله أعلم.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَصْلَ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ لِمَعْذُوْرَةٍ أوْ عَرُوْسٍ أوْ غَيْرِهِمَا)

لذا فالوصل بما يسمّى بعرف اليوم (البوستيج) يُعَدُّ محرّمًا وينبغي على المسلم والمسلمة تجنبّه.

وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

والله جلّ جلاله أعلم.