السؤال:

شيخنا الكريم زوجي إنسان طيب وسخي وهو بفضل الله تعالى يتصدّق ممّا أكرمنا الله جلّ وعلا منه ولكني (سامحني الله) دخلت في جدال معه وأخبرته أنني سأطلب المشورة من حضرتكم.. الأمر أنّ لدينا 7 أطفال أعمارهم 19-15-10 وهنّ بنات و9-6-3-و3 أشهر وهم أولاد، وزوجي كلما طلب منه أحد مالا أعطاه منهم المستحق ومنهم لا وأنا اعترضت وأخبرته أنّ أولاده أحق، وهنا لا أقصد أنّه مقصّر بحق أولاده ماديا بالعكس، الحمد لله يوفّر لهم بفضل الله احتياجاتهم ولكن على حساب حرماننا منه فهو يخرج من الصباح الباكر ولا يعود إلى الليل، كلّ أيّام الأسبوع عدا الجمعة، وسبب جدالي أنّ المال الذي يعطيه لأناس غير مستحقين كان على حسابي أنا وأولادي فقد حرمنا الجلوس معه لأنّه بالعمل ليجمع مالا، بالنتيجة يذهب لغيرنا وجادلته أنّ جلوسه بين أولاده ومتابعته تربيتهم وتخصيصه لوقت لهم هو أفضل من مال يعطيه لأناس غير مستحقين وإنْ كانوا أقارب، وأعيد وأكرر هو غير مقصِّر معنا ماديا لكن ذلك على حساب حرماننا منه، وسبب الجدال أنّ قريبة لنا نعرف أنّها غير مستحقة تبني بيتا ووقفت على التطبيك ولديها سكن حاليا ولا يوجد سبب قوي لاستعجالها إكمال البناء وقرر إعطائها مبلغا من المال بشكل هدية وأنا قلت له غير مستحقة وأولادنا أحق فانزعج وقال: لستُ مقصِّرا معكم، فأجبته أنّ كلامه صحيح من الناحية المادية لكن كم احتاج من الوقت ليجمع هذا المال الذي سيعطيه لها؟ وهذا الوقت أولاده أحقّ فأيّنا على صواب يرحمكم الله يا شيخنا الكريم فوالله أشعر بتأنيب الضمير وأخشى أن يغضب مني ربي.. وعذرا على الإطالة.

الاسم: أ. أ.

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم مع هذا الموقع المبارك.

وبعد: ففي البدء ينبغي أنْ نعلم أنّ المحافظة على استقرار الأسرة من أهم مسؤوليات الزوجة، فعندها يجد الزوج السَّكَن الذي أمر به الله جلّ وعلا:

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

والجدال من أسباب النكد الطارد للاستقرار والسكن، فالنكد طاقة سلبية مصدره النفس الأمّارة بالسوء، تدعو للشُؤْم والعُسِر والكدَّر والصعوبة والشقاء، وهو كفيلٌ بتهديد كيان الأسرة ومحو استقرارها، فإذا كان ثمّة ما ينبغي التفاهم عليه فبالحوار الهادئ، وفي الوقت المناسب، والحمد لله تعالى أنّ جنابكم قد وصف زوجك بصفة السخاء، وهي صفة عظيمة يحبّها الله عزّ وجلّ ورسوله المبجّل صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه الكمّل، القائل:

(السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَالْجَاهِلُ السَّخِيُّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.

كما أنّه يقوم بواجب الإنفاق تجاه عائلته مُستهدياً بقوله جلّ جلاله:

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ —} [النساء: 34].

فالإنفاق على الزوجة والأولاد واجب على الرجل، لقول الله عزّ شأنه:

{وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233].

 وقوله سبحانه:

{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7].

والنفقة على الأهل أعظم أجرًا من جميع الصدقات، قال نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:

(دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

ولكن ينبغي للمسلم أنْ يكون كَيِّسًا يجمع بين الحقوق ويوازن بينها، قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:

(إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

فإذا كان عمل الزوج يقتضي أنْ يغيب عنكم الوقت الذي ذكرتيه فهو معذورٌ بذلك، وما يجنيه من عمله ويزيد عن حاجة الأسرة فله بعد ذلك أنْ يدّخر بعضه ويتصدّق ببعضه ويسعى في الخير للمحتاجين والأقربين، قال تعالى:

{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ —} [البقرة: 219].

والعفو تعني الزيادة عن حاجة الأسرة، فالدنيا فرصة طيبة للعمل الصالح، ومنه الإنفاق في سبيل الله تعالى:

{وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10].

وعلى الزوجة أنْ تُعين زوجها على فعل الطاعات والمبرات، قال جلّ وعلا:

{— وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ —} [المائدة: 2].

ومن البّر الإنفاق في سبيل الله تعالى وصلة الأرحام وإعانة المضطر، وإغاثة الملهوف، على أن تكون هذه الأمور مدروسة ومتوازنة، قال تعالى:

{وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].

أمّا إذا كان بالإمكان تقليل ساعات العمل للتفرغ قليلاً للأسرة والأولاد فهم بحاجة ماسة للرعاية والمتابعة فهذا هو الأولى، قال النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:

(كَفَى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوْتُ) الإمام أبو داود رحمه الله المعبود جلّ جلاله.

والضياع لا يقتصر على الإنفاق فقط بل يتعداه إلى الرعاية والتأديب وهو الأهم، ولهذا جاء التوجيه النبوي بالإجمال في طلب الرزق، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:

(أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى.

وحتما زوجك الكريم وهو بتلك الصفات المباركة يستطيع أن يضع سُلّم أولويات الإنفاق والقيام بواجباته تجاه الأقرباء والأصدقاء بما يجعله يُعطي لكل ذي حقٍ حقه.

والله تعالى أسأل لكم التوفيق والسداد والترقي الدائم.

وصلى الله تعالى وسلم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أهل الذوق والكرم.

والله تعالى أعلم.