السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

لديّ سؤال فيما يخص مال اليتيم.. بارك الله فيكم.

توفي زوجي تاركا 3 أطفال، أستلم الآن من الحكومة راتبا قدره مليون و700 دينار عراقي وهو راتب زوجي المتوفى. 

بعد وفاته رجعت لبيت أهلي وهم فقراء جدا ويعيشون في مسكن ضيّق جدا لا يسعني العيش فيه مع أطفالي فاقترحت أنْ ننتقل إلى بيت أكبر وأنا من يدفع الإيجار وبالفعل انتقلنا

بالإضافة إلى ذلك قمت بمساعدة أهلي بدفع تكاليف علاج والدي وأخواتي في المدرسة إضافة إلى مصاريف أطفالي.. لم يبقَ ما أستطيع ادّخاره لمستقبل الأطفال.. السؤال هو:

هل أنا آثمة بفعل ذلك؟؟ هل يعتبر ذلك أكل مال اليتيم؟ وما مقدار “المعروف” المذكور في الآية القرآنية “ومَنْ كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُل بِالمَعْرُوْفِ”؟

الاسم: ا. ع.

 

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك.

وبعد: فجزاكم الله جلّ وعلا خيراً على حرصكم في طلب الحلال والسعي بالخيرات، ومراعاة مال أبنائك – حفظهم الله تعالى – ورزقك برّهم في الدنيا والآخرة.

الأصل في شريعة الإسلام الغرّاء صَوْن مال اليتيم وتنميته حتى يبلغ اليتيم سنّ الرشد ليقوم بدوره في الإفادة من ماله؛ قال سبحانه:

{وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء: 6].

واختلف أهل التأويل في كلمة “المعروف” الذي أذن الله جلّ ثناؤه لولاة أموالهم أكلها به، إذا كانوا أهلَ فقر وحاجة إليها، فعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: 

(ومَنْ كان غنيًّا فليستعفف، ومَنْ كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، يقول: إنْ كان غنيًّا، فلا يحلّ له مِنْ مال اليتيم أنْ يأكل منه شيئًا، وإنْ كان فقيرًا فليستقرض منه، فإذا وجد مَيْسرة فليُعْطِهِ ما استقرض منه، فذلك أكله بالمعروف) تفسير الطبري رحمه الباري عزّ وجلّ.

فلا حرج عليكِ أنْ تأكلي من مال ابنائك اليتامى، لا سيما حال الحاجة، لما ورد عن عمارة بن عمير، عن عمته:

(أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حِجْرِي يَتِيمٌ أَفَآكُلُ مِنْ مَالِهِ؟ فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ) الإمام أبو داود رحمه الله الودود جلّ جلاله.

وينساق هذا الحكم على والديك وإخوتكِ لفقرهم وحاجتهم كما وصفت على أن نأخذ بقول العلماء رضي الله تعالى عنهم بأن يكون ذلك قرضاً خروجاً من الخلاف، وتورعاً متفاعلين مع هدايات قول الله تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10].

ويُمكن حساب ذلك على نحو تقديري، حتى إذا ما بلغ إخوتك مبلغ الرجال أعادوا تلك المبالغ المصروفة عليهم وعلى والديك استجابة لقوله سبحانه:

{— فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء: 6].

فإذا دفعتم إليهم تلك الأموال التي استفدتم فأشهدوا عليهم.

ولجنابكِ بشرى الحسنات من ربّ الأرض والسموات على سعيك الطيّب في الحفاظ على نفسك وأولادك وأسرتك والأنفاق عليهم ورعايتهم ولَمّ شملهم ليساعد ويحمي بعضكم بعضاً، فعَنْ سَيِّدِنَا سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه: 

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْت عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك أَيْ فِي فَمِهَا) الإمام مسلم رحمه الله تعالى المنعم جلّ وعلا.

وختاماً أسأل الله جلّ في علاه لكم التوفيق والسداد.

وصلى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والله جلّ جلاله أعلم.