2016/02/02 السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي أولا أتمنى أنكم بخير وفي أتمّ الصحة والعافية ثانيا سيّدي أسألك أن تدعو لنا لئنْ نوفّق وننجح في امتحاناتنا وأنْ نجتاز ما بقي من سنوات دراسية في الجامعة بنجاح وبدون إعادة.. ثالثا سيّدي أنا لم أكن طالبَ علم وكنت هائما في الدنيا وبعثت إلى جامعة دينية ولم أكن أريد ذلك ولكن بعد مدّة بدأت أشعر بأهمية طلب العلم فأحيانا يأتيني الباعث القوي الذي يبعثني للحفظ والفهم وطلب العلم ولا ألبث حتى يضعف الباعث أو يختفي فتضعف همّتي، وأحيانا أصارع نفسي بعقلي بأن أخبرها أنه هو النجاة وهو السبيل إلى الله.. فما أريده سيّدي كيف أصل إلى درجة العلماء السابقين في حبهم للعلم وإيثاره على كلّ شيء، وما هي الأشياء التي تجمع الهمّة وتقويها؟ وما هي الأشياء التي تضعفها؟ وهل العزلة والبُعد عن حسابات التواصل الاجتماعي ممّا تقوي الهمة ?! وهل هناك أدعية تساعد على ذلك؟ وجزاكم الله خيرا سيّدي وفتح الله عليكم.   الاسم: أبو بكر     الرد: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته. الحمد لله رب العالمين، أنا في فضل مِنَ الله سبحانه دائم، ونعمة متواصلة وعافية، وأسال الله عزَّ وجلّ أنْ يسرّكم بما تريدون، ويفرحكم بما ترغبون، وأنْ يصرف عنَّا وعنكم شرّ ما تعلمون وما لا تعلمون. عن سيّدنا صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنه قال:- (أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمّ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ مُتَّكِئٌ عَلَى بُرْدٍ لَهُ أَحْمَرَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِطَالِبِ الْعِلْمِ، إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَتَحُفُّهُ الْمَلَائِكَةُ، وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا يَطْلُبُ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وتقدّس. فالحمد لله الذي أخرجك منْ ظلام الدنيا وساقك إلى ما فيه نجاتك، فأقم حيث أقامك الله تبارك اسمه، وأشكر نعمته على فضله وإحسانه، وأرجو الانتباه إلى ما يلي:-   1- ارتفاع الهمة وهبوطها مسألة طبيعية في حياة الإنسان إذا كانت ضمن الدائرة المسموح بها، وإلا فالمسلم يتعاهد قلبه في مثل هذه الحالات فيتخذ الأسباب اللازمة لتقويم العوج. 2- منزلة العلماء لا يبلغها كلّ مَنْ سلك سبيل التعلّم، ولذلك قال سيّدنا علي رضي الله جلَّ وعلا عنه:- (الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق) الإمام أبو نعيم رحمه الرب الكريم جلَّ شأنه. فطالب العلم وإنْ كان فاضلا كريمَ المنزلة إلا إنَّ منازل العلماء أجل وأرفع، وفي كلٍّ خير، ولذلك جمع النبيّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم في حديث واحد بين فضل طالب العلم وفضل العالم حيث قال:- (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) الإمام أبو داود رحمه ربُّنا المعبود تنزَّه اسمه. 3- العالم في الحقيقة الشرعية لا يطلق إلا على العامل بعلمه الذي يخشى الله تعالى القائل:- {— إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ —} [فاطر/ 28]. والعلم الشريف هو صناعة القلب، وشغله، والوظيفة التي تؤدى به، فإذا حمل هم رفع رذيلة الجهل والتحلي بالعلم الشريف فإنَّه ينشغل بذلك، ويكون هذا جُلَّ همّه. فلابدّ لطالب العلم أنْ يوحّد قصده ويجعل له وجهة واحدة، قال ربّنا جلّ جلاله وعمّ نواله:- {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ —} [الأحزاب/4]. 4- ضعف الهمم في طلب العلم مِنَ المصائب الكبيرة، وهذا الفتور ابتلاءٌ وامتحان مِنَ الله عظُمتْ ذاته، وقد يكون هذا الفتور بسبب الذنوب والمعاصي، نسأل الله تعالى السلامة والعافية، فما على طالب العلم إذا وجد مثل هذا إلا أنْ يتضرع بالدعاء لله عزّ وجلّ أنْ يعينه ويوفقه ويثبته، فكم مِن ْطالب علم ابتلي بمثل هذه الابتلاءات، فصبر وصبَّره الله تبارك وتعالى حتى جاءته العاقبة الحسنة. لذا أوصي بالتالي قدر المستطاع:- أولا: الإخلاص لله عزَّ وجلَّ في الطلب يسهّل الصعاب. ثانياً: الاستغفار، فإنَّ الله تعالى يقول:- {— لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل/46]. فإذا أراد طالب العلم أنْ يصرف الله جلَّت ذاته عنه الفتور وما يجد في نفسه مِنَ الضيق فليكثر مِنْ الاستغفار؛ لأنَّه معذب، والعذاب لا يرفع إلا بالتوبة والرحمة مِنَ الله عزَّ كماله. ثالثاً: أنْ يصبر نفسه بمعنى يحبسها لو أرادت أنْ تتفلَّت، قال الله سبحانه للنبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:- {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا —} [الكهف/ 28]. رابعا: أنْ يبحث عن عالمٍ يشحَذ همته، فيوصيه ويقرع قلبه بقوارع التنزيل، وبما جاء عن الرسول منَ الأمور التي تحيي في النفس حب الخير والإقبال عليه، وتشحذ الهمّة بطلب العلم أكثر. خامسا: أن يُلازم زملاء يحثونه على العلم ويساعدونه على المناقشة والبحث ولا يملَّ من صحبتهم ما داموا يعينونه. سادسا: كثرة قراءة سير السلف الصالح رضي الله جلَّ وعلا عنهم وعنكم ، فإنّه إذا قرأ سيرة عالم خشع قلبه، وصدقت عزيمته، وأحبّ أنْ يكون مثله؛ لأنَّ الله جلّ وعلا جبل قلوب الخيّرين على حبّ الخير والشوق إليه، وقراءة مواقف العلماء الصادقين تُسلِّي وتقوي العزيمة، كما قال الله تبارك اسمه:- {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ —} [هود عليه السلام/120]. سابعا: ممّا يقوي الهمّة تذكر حسن العاقبة، فإنَّ لأهل العلم وطلابه مراتب ومنازل، قال تعالى:- {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا —} [السجدة/24]. فكلّ مَنْ يصبر يكون إمام هدىً وداعيةً إلى الخير على قدر صبره، وإذا كمُل الصبر كمُل فتح الله تعالى على العبد، فبمقدار جَدِّك واجتهادك وثباتك يكون فتح الله جلَّ اسمه عليك. وانظر إلى أهل المعاصي وهم يسهرون ويصرّون عليها، وأنت على طاعة الله جلَّ ثناؤه وتخوض غمار رحمته، فعليك أنْ تعرف قدر النعمة التي أنت فيها. 5- أمّا بالنسبة لحسابات التواصل الاجتماعي فهذه تستخدم في نطاق ضيق وحسب الحاجة والنفع وإلا فهي سلاح ذو حدين وكثرة الدخول – في غير فائدة – لاشك مضيعة للوقت خصوصا لطالب العلم، ولزيادة الفائدة ارجو مراجعة جواب السؤال المرقم (633) في هذا الموقع المبارك. وصلَّى الله تعالى وسلَّم على معلمنا الأول ومَنْ عليه بعد الله سبحانه  في الدارين المُعَّوَّل سيدنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه ومَنْ على طريقته أقبل.     والله العليم جلَّ شأنه أعلم.