*** زيارة المسجد الأقصى من سنن الهدى ***

                                                                                                                    – سعدالله احمد عارف

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد و آله وصحبه أجمعين.

لا يختلف طلاب العلم بَلْهَ العلمآء بأن الأحكام الشرعية تستنبط من كتاب الله تبارك وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومن مصادر التشريع الأخرى.

وقد بين الله عز وجل بأن القرآن العظيم هو المصدر الأول للتشريع، من ذلك: قوله تعالى {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} الشورى 10. كما بين أن السنة المطهرة هي من مصادر التشريع فقال تعالى {…وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر 7. وبين قوله عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام لسيدنا معاذ رضي الله تعالى عنه ترتيب هذه المصادر إذ سأله قآئلا (بمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: فإن لم تجد؟ قال رضي الله عنه: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول َرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لما يُرضي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) الأئمة أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة رحمهم الله تعالى.

ومما يؤسف له أن هناك سهواً وتغافلاً عن هذا الأصلِ ربّما بسبب الفتن والمشاكل التي حلّت بالمسلمين فأصبحوا يختلفون على مسآئل لا يسوغ الخلاف فيها، ومنها موضوع زيارة المسجد الأقصى المبارك. إذ لا يوجد نص يمنع زيارته أو يشترط فيها شرطاً، فلم يجد معارضو الزيارة سوى حجة التطبيع ووضع ختم الإحتلال على جواز السفر، وفي هذه القضية مجال لإختلاف وجهات النظر ولكن لا يجوز أن يتعدى إلى أصل الزيارة ومشروعيتها بَلْهَ أهميتها وربما وجوبها في هذا الظرف.

وإنّي لا أرى مبرراً لهذا الإختلاف لأدلة كثيرة منها:

1-   قوله تبارك و تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الإسرآء 1. فمبدأ الإسرآء كان من المسجد الحرام الذي بيّن الله تعالى فضآئله من خلال كتابه الكريم وسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. فمن الكتاب قول الله عز وجل {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} آل عمران – عليهم السلام – 96. ومن السنة قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) الإمامان الطبراني وابن خزيمة رحمهما الله تعالى. وهذا الترتيب في أجر الصلاة في هذه المساجد المباركة مقصود لتبيان فضل كل مسجد.

ولنلق نظرة على المسجدين الّلذَين لهما علاقة مباشرة بمعجزة الإسرآء والمعراج.

فأمّا المسجد الحرام:

فقد كان حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقصده للصلاة والتعبد مع كونه يغصّ بالأوثان والأصنام وكانت إدارته بيد المشركين، فبإشارة منهم يُدخلون من يريدون ويمنعون من يشآؤون، وبتعبير العصر الحالي فإن (تأشيرة الدخول) كانت بيدهم، ومع ذلك لم يمتنع أو يتردد (عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام) من الذهاب للتعبد فيه بحجة سيطرة المشركين عليه بل كان حريصاً على ذلك كما هو معلوم. وأكثر من هذا: لم يخرج صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من مكة المكرمة إلّا مضطراً مع ما لاقاه من صنوف العذاب والتضييق، فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مخاطبا مكة المكرمة (مَا أَطْيَبَكِ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَك) الأئمة الطبراني والحاكم والبيهقي رحمهم الله تعالى.

وبعد أن أقام صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم دولة الإسلام في المدينة المنورة لم ينس مكة المكرمة ومحاولة الدخول إليها والتعبد في المسجد الحرام والتماس بركته، وتوّج ذلك في السنة السادسة للهجرة حين عزم مع كوكبة من صحبه الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم على التوجه لأدآء العمرة، مع أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ساق معه ما تيسر له من الهدي ولم يفكر عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام  أن في ذلك تقوية للمشركين. ومع أن المشركين أصرّوا على المنع فقد بقي عليه الصلاة والسلام في الحديبية محاولاً الدخول عبر مفاوضات، أرسل من خلالها سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه إلى مكة المكرمة لإقناع المشركين وأخذ موافقتهم.

ولم ينقل لنا التأريخ إعتراضاً أو تعجباً من أحد الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعنكم لهذا الإصرار على زيارة المسجد الحرام بحجة أنه تحت سيطرة المشركين.

من هنا أستطيع التأكيد أنه عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام لم يترك المسجد الحرام لا قبل الهجرة ولا بعدها حين أقيمت دارالإسلام.

وأمّا المسجد الأقصى المبارك:

فحين أُسريَ بحضرة خاتم النبيين عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم لم يكن المسجد الأقصى بيد المسلمين بل بيد الدولة الرومانية، وذلك لتأكيد أهمية الزيارة إذ أُمرنا باتباع هدي نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فاجتمع القول والفعل.

أمّا الفعل: فهو الإسرآء (أي الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى).

وأمّاالقول: فنصوص شريفة منها:

قوله عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى) الإمام البخاري رحمه الله تعالى. ويحمل هذا الحديث الشريف حثّا لشدّ الرحال لمن يستطيع، ونحن نعلم أن الله عز وجل أطلع نبيه الأكرم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على الحوادث العظيمة في أمته إلى قيام الساعة ومنها قتال اليهود كما ورد في الأحاديث الشريفة منها قوله عليه الصلاة والسلام (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ حَتَّى يَقُولَ: الْحَجَرُ وَرَاءَهُ الْيَهُودِيُّ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ) متفق عليه. فيمكنني أن أستنتج أنه عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام كان يعلم باحتلال بيت المقدس، ومع ذلك يحث أمته ويرّغبها في زيارته والتواصل معه دون قيد.

ويؤكد هذا جوابه عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام لمن استفتاه في حق المسجد الأقصى إذ قال (ائتوه فصلوا فيه، قالوا: وكيف والروم اذ ذاك فيه؟  قال: فان لم تستطيعوا فأتوا بزيت يسرج في قناديله) الأئمة أحمد وابن ماجة وأبو داود وآخرون رحمهم الله تعالى.

وإني لأفهم من هذا الحديث الشريف ضرورة الذهاب إليه لأنه يدل على أن المسلم إن لم يستطع الصلاة فيه فأقل ما يجب عليه هو إيصال الزيت الذي يُسرجُ في قناديله أي إيصال ما يستفيد منه المسجد الأقصى مع الإتيان.

ولم تنقطع زيارة المسلمين له والتعبد فيه يوما بما في ذلك أيام سيطرة الصليبيين عليه قبل أن يستعيده السلطان الصالح صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى ومنهم العلمآء والصالحون رضي الله عنهم وعنكم.

2-   تحقق المنافع من الزيارة:

مما يؤسف له أن الناس حين يسمعون كلمة (المنافع) تنصرف أذهانهم إلى المادية منها وينسون المنافع المعنوية وهي في مفهوم المسلمين الصادقين أعظم ومنها البركة التي وصف بها ربنا عز وجل المسجد الأقصى فقال سبحانه {الذي باركنا حوله} فإن كان الله عز وجل عمّ بالبركة من حوله فما بالك بالأصل؟ إذ بلا شك يكون أكثر بركة.

وقد إمتدح صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم المرابطين في بيت المقدس وأكنافه فقال (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدّينِ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) الأئمة أحمد وابن حجر والطبراني رحمهم الله تعالى.

فهل نفوّت منفعة تشملنا – إن نوينا ذلك- بهذا الحديث العظيم ونكون من الذين أثنى عليهم نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؟ وإني أنصح مَن كَتَبَ اللهُ تعالى له الزيارة أن يمكث قدر المستطاع كي يدخل في هذا الحديث الشريف، فيكون من المرابطين ولو لوقت يسير. وهل يزهد مسلم مستطيع في منفعة تجعل من صلاته خمسمآئة صلاة؟

ثم إن في زيارة المسلمين الملتزمين للمسجد الأقصى منافع تتعلق بالدعوة إلى دين الله عز وجل من خلال إختلاطهم مع أهل الديانات الأخرى وعرض دينهم بحسن أخلاقهم وتصرفاتهم، إذ أن هذا من أبواب الدعوة المهمة التي كانت سبباً في دخول بلدان بأكملها للإسلام ولكنه الآن مع الأسف يكاد يندثر أو على الأقل يطوى في ثنايا النسيان.

بل هناك منافع مادية كبيرة يمكن للزآئر أن يسديها للمسجد الأقصى وللمرابطين فيه من سكان القدس الشريف، فيستطيع حملَ ما يمكنه من تبرع نقدي أو عيني إلى المسجد الأقصى أو مسجد قبة الصخرة أو فقرآء بيت المقدس، ويستطيع من خلال سكنه في فنادق الفلسطينيين وارتياد مطاعمهم ومقاهيهم والتسوق من متاجرهم تقديم الدعم المادي والمعنوي لهم تجاه ما يلاقونه من تضييق في معيشتهم وسكناهم لإجبارهم على الرحيل عن القدس الشريف وإخلآء المكان للمحتلين.

أما موضوع (التأشيرة) فأقول:

على الذي يذهب أن يتحاشا قدر الإمكان التعامل معها وإن أجبر عليها فلا أرى بأساً بقبولها، فإذا وضعنا هذه النقطة في كفة ووضعنا المنافع الروحية والمعنوية والمادية التي ذكرناها والتي لم نذكرها في الكفة الأخرى لرجحت الكفة الثانية بلا شك. فكم تساوي زيارة المسلم لواحد من المساجد الثلاثة التي خصها الله عز وجل بالبركة وأذن بشد الرحال لها؟ وكم تساوي الصلاة فيه والتعبد والتبرك به والوقوف في مكان وقف فيه خير خلق الله المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ووقف من خلفه جميع الأنبيآء والمرسلين عليهم الصلاة والتسليم متوجهين بالصلاة إلى بارئهم جل جلاله وعم نواله؟ وكم يتزود المسلم إيماناً وعزماً على إعادة هذا المسجد المبارك إلى حوزة المسلمين؟

والله تبارك وتعالى أمرنا بالجهاد بأموالنا وأنفسنا، فإن لم تتوفر لنا فرصة الجهاد لعدم وجود إمام المسلمين وعدم وجود دار الإسلام فهل نغلق على أنفسنا أبواب الجهاد الأخرى ومنها محاولة زيارة المسجد الأقصى وتكثير سواد المسلمين فيه؟

المعروف عند كل عاقل ومن خلال التجربة التي مرت بنا في العراق أن كل مكان إذا خلا من أهله يسعى الآخرون إلى تخريبه أو ملئه بما يناسب توجههم وعقيدتهم. فالمساجد التي بنيت في أماكن تفتقر إلى أهلها وعمّارها أصبحت لقمة سآئغة للآخرين من أهل الضلال.

3-   وزيارة المسجد الأقصى تحزن الأشرار وتغيظهم والله عز وجل يكتب للمؤمنين عملاً صالحاً إن هم دخلوا موطئا يغيظ الكفار قال تعالى {…وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} التوبة 120.

ومن هنا فإني أوجب على المسلمين التفكير في زيارة المسجد الأقصى المبارك مع إخلاص النية، ومن كانت مكانته وقدرته أعلى فهذه الفتوى آكد في حقه كالرؤسآء والأمرآء والوزرآء وأهل الوجوه والأموال ومن ينتمي إلى بلدان ذات شأن في هذا العالم.

فليت هؤلآء يعقدون النية ويقررون زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه لعل الله تبارك وتعالى أن يجعل لهم نصيباً من نفحات هذا المكان المبارك ويهدي قلوبهم للشعور بالمسؤولية تجاه الأراضي المحتلة وتجاه شعوبهم وأوطانهم قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة.

 

فيا أمة الإسلام هبّي لإنقاذ المسجد الأقصى بالصلاة والتبرك والتعبد فيه وشد قلوب الناس به عسى الله عز وجل أن يجعل ذلك سبباً في فك أسره وإعادته لأهله، وما ذلك على الله تعالى بعزيز.

والله سبحانه وتعالى أعلم.