25/6/2010
السؤال:
شاب تعلق بأصدقاء سوء فتعلم منهم النظر إلى الأفلام والصور الخليعة والعياذ بالله، ثم ترك هؤلاء الأصدقاء وتاب إلى الله من هذا الأمر. يقول الشاب: لكن بين الحين والآخر أعود وأنظر إلى مثل هذه الصور والأفلام خفية عن طريق المجلات أو الانترنت وأتوب وأبكي وأندم وأعاقب نفسي بالصوم والصدقة وأعزم على الترك ثم بعد فترة أعود.. وأنا في صراع دائم حتى بعد زواجي والحمد لله عندي ولد ولكن بقي أثر تلك الصحبة، وأنا أعلم حكمها ولكن من دون سابق إنذار أرجع إليها فما هو الحل؟
وهذا الشاب من المرتبطين بحضرتكم ومن المتشرفين بروحكم، الحقيقة أنا لم أجد ما أجيبه لعجزي وقلّة علمي، وهو يستحيي أنْ أذكر اسمه وهو يقول: أسترني وعالجوني “دخيلكم” والله إنّي أحبكم يا وارث حضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم.
الاسم: أحمد صبيح
الرد:-
إنّ شعور المريض بأعراض مرضه وعزمه على العلاج هي أولى خطوات الشفاء بإذنه تعالى، وإحساس المسلم بالحرج فيما يقترفه من الذنوب واستغفاره وندمه منها دليل على صحة الإيمان كما ورد عن حضرة النبيّ العدنان عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله جلّ في علاه.
فهذا يفتح أبواب الأمل أمامه ليقلع عمّا ينزغه الشيطان به وتزينه له نفسه، فلا يجب أنْ تثقله هذه الذنوب عن مواصلة مسيره إلى الله تعالى وطاعته لربه عزّ وجلّ، وليحاول في ذات الوقت أنْ يكبح جماح نفسه الأمّارة وذلك بمطالعة سير الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم ومطالعة أسرار الصلاة وغيرها من أبواب كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله سبحانه.
وليتذكر أنّ الله جلّ جلاله وعد المذنبين بالمغفرة إذا هم استغفروه وندموا على أفعالهم فقال:-
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرحيم} [سورة الزمر: 53].
وقد نقل سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم صورة عن سعة رحمة الباري جلّ وعلا بعباده المذنبين الذين لا يصرّون على الذنب ويسارعون إلى الاستغفار فقال:-
(إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا – وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا – فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ – وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ – فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ – أَوْ أَصَبْتُ – آخَرَ، فَاغْفِرْهُ؟ فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا، قَالَ: قَالَ: رَبِّ أَصَبْتُ – أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ – آخَرَ، فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وما أوصيه به من الصحبة الصالحة أدلتها كثيرة ومنها حديث من قتل تسعة وتسعين نفساً حيث قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.
ولكن ليتذكر أنّ مع سعة رحمة الله تعالى فلا يأمن أحدنا من عقابه جلّ وعلا ومكره، فإنّ المسلم يعيش دائماً بين الخوف والرجاء، فإنْ تقدّم أحدهما في ذهنه فليتذكر الآخر، فآيات الوعيد في القرآن الكريم تقترن بآيات الوعد، قال عزّ وجلّ:-
{اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة المائدة: 98].
وقد أمرنا الله تعالى بغض البصر بقوله:-
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ —} [سورة النور: 30].
ومخالفة أمر الله جلّ ذكره إثم لا تؤمن عقوبته، قال تعالى:-
{إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِي الْبُطُونِ * كَغَلْي الْحَمِيمِ} [سورة الدخان: 43 – 46].
وعين الغبن أنْ يأتي المسلم يوم القيامة مفلساً مع ما بذل من جهد وتعب في العبادة، قال صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-
(أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) الإمام مسلم رحمه الله سبحانه.
وأختم نصحي بما نقل عن سيدنا علي رضي الله تعالى عنه قوله:-
(إِذَا عَظَّمْتَ الذَّنْبَ فَقَدْ عَظَّمْتَ حَقَّ اللهِ، وَإِذَا صَغَّرْتَهُ فَقَدْ صَغَّرْتَ حَقَّ اللهِ، وَمَا مِنْ ذَنْبٍ عَظَّمْتَهُ إِلَّا صَغُرَ عِنْدَ اللهِ، وَمَا مِنْ ذَنْبٍ صَغَّرْتَهُ إِلَّا عَظُمَ عِنْدَ اللهِ).
هذا وأدعو الله عزّ وجلّ أنْ يغفر له ويعينه على تجاوز كلّ خطأ.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.