2012/03/22
السؤال:
السلام عليكم ورحمته وبركاته.
نعلم أنّ الوضوء مفتاح الصلاة. هل مسّ الفرج ينقض الوضوء؟
وبارك الله جلّ جلاله في جهدكم.
الاسم: محمد أبو أسامة
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررتُ بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.
قالَ اللهُ عزّ وجلّ:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة المائدة: 6].
إنّ مسألة مسّ الفرج فيها قولان للفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
الأول: لا ينقض الوضوء، وهو قول السادة الحنفية رحمهم الله جلّ في علاه، واستدلوا على ذلك بما روي عن سيّدنا طلق بن عليّ رضي الله تعالى عنه:-
(أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيَتَوَضَّأُ أَحَدُنَا إِذَا مَسَّ ذَكَرَهُ؟ قَالَ: هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ – أَوْ مِنْ جَسَدِكَ -؟) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.
الثاني: ينقض، وهو قول الجمهور، واستدلوا على ذلك بقول حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.
وعن السيّدة بُسْرَة بِنْتِ صَفْوَانَ رضي الله سبحانه عنها أنّها:-
(سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأُمُرُ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.
وقالوا أيضًا:-
إِنْ كَانَ المَسُّ بِظَهْرِ الْكَفِّ لَمْ يَنْتَقِضْ لِمَا رُوِي عَنْ حَضْرَةِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ أنَّه قَال:-
(إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ شأنه.
وَالْإِفْضَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا بِبَطْنِ الْكَفِّ، كَمَا يُقَالُ: أَفْضَى بِيَدِهِ مُبَايِعًا، وَأَفْضَى بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ سَاجِدًا.
وأجابوا عن حديث سيّدنا طلق بن علي رضي الله تعالى عنه بأنّه منسوخ بالأحاديث الشريفة التي ذكروها.
ولا مستند لمَنْ فصّل المسألة فجعل المسّ بشهوة ناقضًا وبغيرها ليس بناقض لانتفاء الدليل الشرعي على ذلك.
وبشكل عام إذا تنازع في الأمر دليلان أحدهما محرّم، والآخر مبيح، فيقدّم المحرّم أخذًا بالاحتياط.
وهذه جملة من أقوالهم المباركة:-
قال الإمام السرخسيّ الحنفيّ رحمه الله جلّ وعلا:-
(إنْ مَسَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَنَا) المبسوط (1/66).
قَالَ الإمام مالك رحمه الله جلّ جلاله:-
(لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ مِنْ مَسِّ شَرَجٍ وَلَا رَفْعٍ وَلَا شَيْءٍ مِمَّا هُنَالِكَ إلَّا مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَحْدَهُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ، فَإِنْ مَسَّهُ بِظَاهِرِ الْكَفِّ أَوْ الذِّرَاعِ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ) المدونة (1/118).
قال الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى:-
(وَإِذَا أَفْضَى الرَّجُلُ بِبَطْنِ كَفِّهِ إلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ سِتْرٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ قَالَ وَسَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا أَوْجَبَ الْوُضُوءَ بِالْعَمْدِ أَوْجَبَهُ بِغَيْرِ الْعَمْدِ قَالَ وَسَوَاءٌ قَلِيلُ مَا مَاسَّ ذَكَرَهُ وَكَثِيرُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَّ دُبُرَهُ أَوْ مَسَّ قُبُلَ امْرَأَتِهِ أَوْ دُبُرَهَا أَوْ مَسَّ ذَلِكَ مِنْ صَبِيٍّ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ، فَإِنْ مَسَّ أُنْثَيَيْهِ أَوْ أَلْيَتَيْهِ أَوْ رُكْبَتَيْهِ وَلَمْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَسَوَاءٌ مَسَّ ذَلِكَ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، وَإِنْ مَسَّ شَيْئًا مِنْ هَذَا مِنْ بَهِيمَةٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْآدَمِيِّينَ لَهُمْ حُرْمَةٌ وَعَلَيْهِمْ تَعَبُّدٌ وَلَيْسَ لِلْبَهَائِمِ وَلَا فِيهَا مِثْلُهَا) الأم للشافعي (1/34).
قال الإمام شمس الدين الحنبلي رحمه الله تعالى:-
(اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ:-
إِحْدَاهَا: لَا يَنْقَضُ بِحَالٍ.
الثَّانِيَة: يَنْقُضُ الوُضُوْءَ بِكُلِّ حَالٍ وَهِيَ ظَاهِرُ المَذْهَبِ.
الثَّالِثَة: لَا يَنْقُضُ إِلَّا أَنْ يُقْصَدَ مَسُّهُ) الشرح الكبير على متن المقنع (1/183) بتصرّف.
أمّا إذا مسّ فرج غيره انتقض وضوء الماسّ دون الممسوس.
قال الإمام النووي رحمه الله سبحانه:-
(وَإِنْ مَسَّ فَرْجَ غَيْرِهِ مِنْ صَغِيْرٍ أَوْ كَبِيْرٍ أَوْ حَيٍّ أَوْ مَيتٍ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لِأَنَّهُ إذَا انْتَقَضَ بِمَسِّ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَهْتِكْ بِهِ حُرْمَةً فَلَأَنْ يَنْتَقِضَ بِمَسِّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ هَتَكَ بِهِ حُرْمَةً أَوْلَى) المجموع شرح المهذب (2/35).
والله جلّ ذكره أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.