16/04/2010

السؤال:

السلام عليكم كيف حالكم سيّدي أرجو أنْ تكونوا بصحة وعافية سيّدي سؤالي هو:

ما هي الأمور المعينة على مخالفة النفس فيما تريد وكيفية الالتزام بهذه الأمور؟

وجزاكم الله خيرًا سيّدي.

 

الاسم: صهيب النعيمي

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله جلّ وعلا خيرًا على مشاعرك، وأنا بفضل الله سبحانه بخير ولا أستغني عن دعواتكم المخلصة، وبعد:-

أقول وبالله عزّ وجلّ التوفيق، من الأمور المعينة على مخالفة النفس ما يلي:-

1- الاعتقاد أنّ النفس بأصل خلقتها طاقة شريرة تأمر بالسوء، قال الخالق جلّ جلاله:-

{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 53].

ويلاحظ أنّ النفس بهذا المعنى نسبت إليها الشرور في القرآن الكريم كما في قوله عزّ شأنه:-

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة المائدة: 30].

وقوله:-

{— قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا —} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 18].

وأكدت السنّة هذه الحقيقة فكان سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه يُعلّم أمّته الاستعاذة من شرّ النفوس:-

(اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ في علاه.

وَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-

(أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي الْخُطْبَةِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ) الإمام أبن أبي عاصم رحمه الله سبحانه.

ومن موجبات هذا الاعتقاد الحيطة والحذر بأنْ لا تدخل شرور النفس إلى القلب والعقل فتجوس خلال الديار مفسدة مؤذية.

 

2- محاسبة النفس على التقصير في الخيرات والوقوع في السيئات، وقد أمرنا الله جلّ جلاله بها كما في قوله:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [سورة الحشر: 18].

وعلّمنا نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم محاسبة النفس كما في قوله:-

(الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ شأنه.

 

3- اختيار الصحبة الصالحة، فإنّها تعين على مجاهدة النفس، ولهذا أمرنا الله سبحانه باختيار الأصحاب الصالحين فقال عزّ من قائل:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119].

وقال:-

{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ —} [سورة الكهف: 28].

وكذلك حثّ عليه رسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام حيث قال:-

(إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وقال:-

(الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ جلاله.

 

4- معاهدة المرشد الحقّ موصول اليد بسيّد الخلق صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، فهي من أعظم الأسباب المعينة بإذن الله جلّ في علاه على تزكية النفس، قال جلّ ذكره:-

{— مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} [سورة الكهف: 17].

دلّت الآية بمفهومها المخالف على أنّ مَنْ سبقت له الهداية لاختياره إيّاها:-

{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [سورة سيّدنا محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: 17].

تنفعه معاهدة الولي المرشد جعلكم الله سبحانه منهم.

 

5- مطالعة أخبار المرسلين عليهم الصلاة والتسليم، وسير الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، قال الله جلّت حكمته:-

{وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 120].

وقال:-

{— فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الأعراف: 176].

 

6- تذكير النفس بخطورة المعاصي في الدنيا قبل الآخرة، فهي سبب الشقاء الروحي والعناء الجسمي كما لا يخفى على كلّ منصف، فالذين يروّجون لشرب الخمر مثلا هم الذين يحذّرون من مخاطر الإدمان عليها لأنّ الله تبارك في علاه يُظهر الحق أحيانًا على لسان مَنْ يعاديه، وما نسمع من الأمراض والبلايا التي لم تكن في سلف البشرية ما هي إلّا بيان لهذه الحقيقة، وما ينتظر العصاة في الدار الآخرة من العذاب شيء كبير، وقد حذّر سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه منه حين قال:-

(لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا) الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى.

 

7- زيارة القبور للوقوف على حقيقة هذه الدنيا وتذكر الآخرة، كما قال عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-

(نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا) الإمام مسلم رحمه الله تقدّست أسماؤه.

وزاد في رواية أخرى:-

(زُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله سبحانه.

وقد كانت مشاهد القبور في ضمير الشعراء حيث قال بعضهم:-

أَتَـيْـتُ القُـبُـوْرَ فَـنَـادَيْــتُـهَـا *** فأَيْـنَ المُـعَـظَّـمُ وَالمُـحْـتَـقَـر

تَـفَـانَـوْا جَمِيْعًـا فَـمَا مُخْبِـرٌ *** وَمَاتُوْا جَمِيْعًا وَمَاتَ الخَبَر

فَيَا سَائِلِي عَنْ أُنَاسٍ مَضَوْا *** أَمَـا لَكَ فِيْمَن مَضَى مُعْتَـبَـر

تَرُوْحُ وَتَغْدُوْا بَنَاتُ الثَّـرَى *** فَتَمْحُو مَحَاسِن تِلْكَ الصُّوَر

 

والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.