2020-03-20
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاكم الله تعالى كلّ خير سيدي الكريم على هذا الموقع المبارك، أسأل الله جلّ وعلا لكم المزيد من التوفيق إنّه سبحانه سميع مجيب.
سيّدي: ما حكم حضور المريض مرضا معديا إلى المسجد؟
 
الاسم: غسان.
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الطيّبة الصادقة، وبعد:
قال الله جلّ جلاله في محكم كتابه العزيز: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58].
والأذية في معناها العام تشمل أموراً عدّة منها: الأذية الناجمة عن طريق نقل العدوى من المريض إلى الصحيح، مهما كان ذلك المرض، فالإنفلونزا العادية مثلا قد تكون هيّنة سهلة على الشاب، ولكنّه قد ينقلها إلى رجل مُسنّ ضعيف البنية، وقد تكون سبباً لموته لا قدر الله عزّ وجلّ، فضلاً عن الحال الذي يعتري الشخص المصاب من تكرار السعال والعطاس المزعج للآخرين، وقد يصحب ذلك تطاير بعض الرذاذ من الشخص المريض على الأشخاص القريبين منه أو المكان الموجود فيه، ولا يخفى ما في ذلك من إزعاج وأذيّة بالغة، فكيف إذا كان المرض أشدّ فتكاً وخطورة مثل الإنفلونزا التي أُطلق عليها كورونا المُستجدة؟ فحتماً ستكون في هذه الحالة مسألة اعتزال المريض واجبا شرعيا ينبغي الالتزام به لمنع انتقال الضرر إلى إخوانه الآخرين، ومن هنا جاءت التوجيهات النبوية الشريفة إضافة إلى هدايات الآية الكريمة المتلوة آنفا ومثيلاتها لمنع الضرر المنتقل من شخص لآخر حتى لو كان ذلك الضرر مجرد رائحة كريهة.
وإليك بعض الأحاديث الشريفة التي تفضَّل بها الرحمة المهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:
1- (مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّوم وَالْكُرَّاث فَلا يَقْرَبَنَّ مسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يتأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدمَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
ويُقاس على ذلك كلّ رائحة كريهة تؤذي الآخرين.
2- (لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ) الإمام مسلم رحمه الله سبحانه.
3- (فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ) الإمام أحمد رحمه الفرد والصمد عزّ وجلّ.
ولقد أثبت هذا المفهومَ علماؤُنا رضي الله تعالى عنهم وعنكم في مراجع الفقه المباركة، فقالوا:
(ولا يجوز للجُذَماء، مخالطة الأصحاء عموما، ولا مخالطة أحد معين صحيح إلا بإذنه، وعلى ولاة الأمور منعهم من مخالطة الأصحاء، بأنْ يسكنوا في مكان مفرد لهم ونحو ذلك، وإذا امتنع ولي الأمر من ذلك أو المجذوم: أثم، وإذا أصرّ على ترك الواجب مع علمه به: فُسِّقَ) كشاف القناع (6/126).
ومن جوامع الكَلم لخاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين قوله الشريف: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ شأنه.
والحديث الشريف قاعدة عظيمة عند أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم في هذا الباب، فمع قِصَرِ ألفاظه واختصار كلماته إلا أنّه يشتمل على قواعد وليس على قاعدة واحدة.
ومعنى “لا ضرر ولا ضِرار” أنّ الإنسان لا يجوز له أنْ يضرّ نفسَه ولا غيرَه ولا بغيرِهِ بأيّ نوع من أنواع الضرر المعروفة شرعاً وعُرفاً وعقلاً.
أسأل الله تعالى للجميع العفو والعافية والمعافاة التامّة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، إنّه سبحانه سميع مجيب.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.
والله جلّت قدرته أعلم.