2020-02-15
السؤال:
السلام عليكم سيدي الحبيب ورحمة الله تعالى وبركاته
حفظكم الله من كلّ سوء وأدام عليكم العافية
سيّدي الحبيب
فضيلة الشيخ الدكتور سعد الله أحمد عارف زادك الله من علمه وأنعم عليكم بالصحّة والعافية.
في ظلّ ما يمرّ به العالم من انتشار مرض الكورونا وما فيه من أخطار وخصوصا في البلاد الإسلامية التي تنعدم فيها الخدمات الصحية وعدم وجود جهات تراعي صحة الناس وتتحمل المسؤلية، ما الواجب على المسلم في ظلّ هذه الظروف من جهة الوقاية من الناحية التطبيقية، والتحصّن ببعض الأدعية؟
وإذا أصيب بالمرض كيف يتصرّف من حيث الحركة والتنقل؟ ومَنْ توفّاه الله بهذا المرض كيف يغسل أو يكفن أو يدفن مع احتمال انتقال المرض؟ وهل يدفن في مقابر المسلمين أو تخصص لهم مقبرة خاصة؟
أرجو تبيان هذا من خلال التوجيه الشرعي والفتاوى بما استجد منها.
جزاكم الله عن المسلمين خيرا

الاسم: ياسر أبو عبد الله

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وجزاكم سبحانه خيراً على دعواتكم المباركة، ومشاعركم الطيّبة، وأدعو لكم بأفضل منها.
في البداية يجب أن نذكّر أنفسنا بأنّ هذه الأوبئة كـ (الكورونا) حالياً، والطّاعون في أزمنة قديمة، هي ممّا ابتلى الله جلّ وعلا مخلوقاته مؤمنَهم وجاحدَهم عبر التأريخ، فلم ينجُ منه حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقد قصّ لنا ربّنا جلّ وعلا كتابه العزيز قصّة سيّدنا أيوب عليه السلام فقال:
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء عليهم السلام: 83، 84].
وقال سبحانه: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 41، 44].
وقد دام مرضه عليه ثمان عشرة سنة.
فَعَنْ سَيِّدِنَا أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِثَ فِي بَلائِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إلاَّ رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ —) الإمام البزار رحمه العزيز الغفار جلّ جلاله.
والصّحابة رضي الله تعالى عنهم وعنكم فقد وقع طاعون عمواس سنة 18 للهجرة في الشام، وراح ضحيته جمعٌ من المسلمين، ومنهم ساداتنا أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث ابن هشام، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل، وعامر بن غيلان الثقفي، وغيرهم من الصحابة رضوان الله سبحانه عليهم أجمعين، وكلّهم دفنوا في مقابر المسلمين كما هو معلوم، وبالتالي فإنّ إصابتهم بهذه الأمراض لا يمنع من ذلك لاسيما وإنّ أغلب مَنْ يموت بسبب هذه الأوبئة إنّما يموت داخل المشفى، وإذا كان ما ينذر بخطر عدوى المرض بعد الموت فإنّ الأطبّاء المختصّين يبيّنون ذلك، أو يرشدون إلى السبل الوقائية من انتقال المرض إلى الغير.
هذا وقد أمرنا الشرع الحنيف بتوخّي الحذر من نشر الأوبئة فقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه: (إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ [يعني: الطاعون أو أيّ وباء] بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْه) متفق عليه.
فهذا التصرّف يمنع قدر الإمكان انتقال المرض إلى الزائر، أو نشره ونقله إلى بلدان أخرى.
أمّا تغسيل مَنْ مات بمرضِ مُعْدِ فالمُتَّفَق عليه بين أكثر الفقهاء رحمهم الله عزّ وجلّ هو صبُّ الماءِ عليهِ صبّاً دون مسّه.
ثمّ إنّ علينا اتّباع التعليمات الصّادرة من المراكز الطّبية الرّسمية، وعدم الاستماع لأشخاص بعيدين عن هذا الاختصاص والاعتناء بالنظافة الشخصية.
وفي السنّة المطهّرة الكثير من الأدعية التي جعلها الله جلّ وعلا سببا لحماية الإنسان وتحصينه، منها:
عَنْ سَيِّدِنَا عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِى لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِى) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ شأنه.
وَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّكَ) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ وجلّ.
أمّا قول بعض النّاس إنّ ما حدث في الصين بسبب ظلمهم للمسلمين فالحقيقة أننا لسنا على اطّلاع يقيني بما يجري هناك، والوباء الحالي لا يقتصرُ أثرهُ على الظّلمة، بل لا يقتصرُ على الصّينيين خاصّةً أنّ العالمَ اليوم قد أصبح كالقرية الصغيرة في سهولة تواصله، وقد انتشر المرض فعلا في بعض المدن المسلمة والعربية، وليس من أخلاق المسلمين – خاصة أهل التزكية والتربية والتذوّقِ – أنْ يظهروا الشّماتة بالآخرين، فديننا هو دين الرّحمة للعالمين.
صحيح أننا أمرنا أنْ نرُدّ كيد المعتدي بمثله، ولا تأخذنا فيه لومة لائم، ولكننا ندرأ ذلك بالشبهات، ونحافظ على سلامة قلوبنا قدر المستطاع، فنحن المسلمون نتعرّض منذ مئات السنين إلى محن وكوارث وتسلّط الآخرين علينا مع أنّنا لم نظلمهم، والأرجح أنّه بسبب ظلمنا لأنفسنا وتفريطنا بحقوق ديننا العظيم.
وعلينا (بصفتنا مسلمين) أنْ يُلفت نظرَنا قيامُ الصّينِ ببناءِ مركز حجر صحيّ بمساحة (25) ألف متر مربّع، ويتّسعُ لألف سريرٍ خلال عشرة أيامٍ فقط، فهل نستطيع نحن المسلمون القيام بشيء كهذا؟ وهل لدينا استعدادات كافية لمواجهة هذا الوباء إذا وصل إلينا؟ هذا هو الذي يجب أنْ يشغلنا فالحكمة ضالّة المؤمن، قال الحبيب المحبوب صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب: (الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.
وربما فائدة ظهوره في دولة متقدمة هو أنْ تكون مهيئة للتوصّل لعلاج ولقاح يتناسب معه ويستفيد بقية العالم ونحن منهم بهذا الانجاز.
ولمزيد من الفائدة أرجو الاطلاع على جواب السؤال المرقم (2408) في هذا الموقع المبارك.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يحفظ كلّ المسلمين وجميع العالمين من الأمراض والأسقام والأوجاع، ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة إنّه سبحانه سميع مجيب.
وصلى الله تعالى وسلم على الحبيب الطبيب، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وكلّ عبد منيب.
والله جلّت قدرته أعلم.