21/04/2019
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أيدكم الله تعالى وسدّد خطاكم ورفعكم وأنعم علينا بصدق اتباعكم ومحبتكم وحفظ لنا هذا الموقع المبارك.
سؤالي بعد إذن حضرتكم سيدي:
هل يجوز لإمام وخطيب أنْ يوصي بدفنه في باحة الجامع الذي يخدم فيه لمدة تزيد على العشرين عام؟ وجزاكم الله تعالى كل خير.
الاسم: الخادم كنعان.
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا لك على هذه الدعوة المباركة، وأسأل الله جلّ وعلا أنْ يكتب لكم مثلها وزيادة، إنّ ربّنا سبحانه سميع مجيب.
الأصل الشرعي أنّ الوقف لا يُباع ولا يُورث ولا يُوهب ولا يستغل بشيء خارج عمّا وقف على شرطه، بل يبقى محبوساً على ما وقِفَ عليه، ودليله حديث سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:
(أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ، وَلاَ يُوهَبُ، وَلاَ يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ) الإمام البخاري رحمه الله الباري سبحانه.
وعليه فإنّه إذا وقف صاحب الأرض مكانين محددين أحدهما للمسجد والآخر للدفن فله ذلك، فالوقف على نيّة الواقف كما بيّنت، والمصلحة تقتضي أنْ لا تكون المقبرة متداخلة في المسجد، أو لصيقة به لأنّ المساجد في الغالب تحتاج للتوسعة أو بناء المرفقات، كموقفٍ للسيارات، أو دورات المياه – أعزّكم الله تعالى -، وغير ذلك ممّا له علاقة به، والقبر قد يعيق تلك التوسعة أو ما يحتاجه المسجد من المرفقات.
أمّا إذا كانت الأرض موقوفة للمسجد فقط، فلا يجوز استغلال تلك الأرض في أي مرفق ليس للمسجد صلة به؛ لأنّ شرط الواقف كنص الشارع كما يقول الفقهاء رحمهم الله سبحانه ورحمنا جميعا.
كما أنّي أرجو من العلماء والأئمة والخطباء ممّن نحسن بهم الظن أنْ يوصوا بجعل قبورهم في المقابر العامة للمسلمين، لأنّ الأدلة تظافرت على انتفاع الأموات بمَنْ يدفن بجوارهم من الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وقد ذكر أهل العلم رحمهم الله جلّ وعلا باستحباب ذلك.
قال الإمام النووي رحمه الله جلّ في علاه:
(وَفِي هَذَا اسْتِحْبَابُ الدَّفْنِ فِي الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ وَالْمَوَاطِنِ الْمُبَارَكَةِ وَالْقُرْبِ مِنْ مَدَافِنِ الصَّالِحِينَ) شرح النووي على مسلم (15/ 128).
وأذكر في هذا المقام صفحة من صفحات والدي رحمه الله تعالى ورحم أمواتنا وأمواتكم جميعا، فإنّه بعد أنْ بنى مسجداً في ناحية السعدية وكان أكثر ما أنفق على بناءه من نفقته الخاصة، فإنّه انشغل في معظم أوقاته فيه بالبناء والخدمة والإمامة والخطابة وغيرها، وسمعته مرّة يقول:
محبّة هذا المسجد عُجِنَتْ في عروقي وسَرَتْ في دِمَائِي.
وأوصى بدفنه فيه بعد موته، وعيّن مكانًا في المسجد ليدفن فيه، لكنّه بعد فترة غيّر الوصية، فسألته عن سبب هذا التغيير، فقال:
رأيتُ في المنام سيّدي رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومَنْ والاه فقال لي (يا أحمد إنْ دُفِنَ أمثالكم في المساجد فكيف يستفيد عامة المسلمين منكم؟) أو كما قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، قال: ففهمت من ذلك أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم لا يحبّذ الدفن في المسجد، ويحب أنْ يدفَنَ أهلُ الذِّكر والعلم والصلاح في المقابر العامّة ليستفيد المسلمون من جوارهم.
ولذلك فإنّي لا أرى أنْ يدفن الإمام والخطيب في المسجد الذي خدم فيه وإنْ كان جائزا.
ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (484، 950) في هذا الموقع المبارك.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله جلّ جلاله أعلم.