2015/11/17
السؤال:
السلام عليكم سيّدي الفاضل, نفع الله بكم أمة الحبيب الأعظم, لما تقدمه من جهد مبارك لخدمة دينه.
سؤالي سيّدي الفاضل عن تكبيرة الإحرام لمَنْ أراد الالتزام بها تطبيقا لحديث رسول الله (مَنْ صلّى أربعين يوما جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان, براءة من النار، وبراءة من النفاق). هل من التزم بها لأيام عديدة وفي يوم ما حدث طارئ أو استيقظ بعد الإقامة وصلّى مع أهل بيته في جماعة هل تكتب له من ضمن الأربعين يوما أم يعيد؟ وهل من أدرك الإمام وقد بدء بالصلاة فانتظر المصلي الجماعة الثانية لكي يدرك فضل تكبيرة الإحرام ولم يقتدِ بالإمام في الجماعة الأولى هل يجوز؟ وجزاكم الله خيرا.
الاسم: شهاب الدين العبيدي
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته. أشكرك على دعواتك الطيبة وأدعو لك بخير منها.
هذا الحديث ضعيف رواه الإمام الترمذي رحمه المغني جلّ شأنه وضعّفه أيضا جماعة من العلماء المتقدمين رضي الله تعالى عنهم وعنكم وأعَلّوْهُ بالإرسال، وحَسَنّهُ بعضُ المتأخرين. فلا يعمل به في المسائل العقائدية، بل في فضائل الأعمال. والمسارعة إلى إدراك فضيلة الجماعة داخل فيها.
جاء في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي:- (وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ ـ قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه المغني جل شأنه: أَيْ يُؤَمِّنُهُ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الْمُنَافِقِ، وَيُوَفِّقُهُ لِعَمَلِ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ، وفي الآخرة يؤمنه ممّا يُعَذّبُ به الْمُنَافِقُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَافِقٍ، يَعْنِي بِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى، وَحَالُ هَذَا بِخِلَافِهِمْ). ومعنى الحديث الحث على المحافظة على صلاة الجماعة مع الإمام الراتب وأنْ يفعل ذلك مع الإتيان بسائر الأعمال الصالحة، وليس المراد أنْ يفعل ذلك أربعين يوما ليحصل على البراءة ثمّ إذا انقطع بعد ذلك فلا شيء عليه، ولا المراد منه أنْ يحافظ عليها ثمّ يخالف ما أمر الله سبحانه به ورسوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين في سائر أعماله. فإذا أراد العمل بمقتضى هذا الحديث فيشهد الجماعة أربعين يوما ثمّ عارضه مرض أو أمر طارئ منعه من الإتمام فله أنْ يكمل بقية الأربعين دون إعادة، وإذا تركها تكاسلا فعليه الإعادة.
ولا بأس أنْ يصلّي في أهل بيته جماعة إنْ لم يدرك الصلاة في المسجد فصلاته لها أجر الجماعة سبعا وعشرين درجة أو خمسا وعشرين، لكن ليست لها فضيلة صلاة المسجد، لما للمسجد من أجر السعي، وبركة المكان وغيرها من الفضائل، قال ربّنا جلّ جلاله وعمّ نواله:- {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ —} [التوبة : 18]. فالمواظبة على صلاة المسجد من علامات الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:- (صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللهُمَّ ارْحَمْهُ، اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جل وعلا.
وعن فضل المشي ليلا إلى المساجد قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:- (بَشِّرِ المَشائينَ في الظُّلَمِ إلى المساجدِ بالنورِ التَّام يومَ القيامة) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه. وعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:- (الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، تُضِئُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تُضِئُ نُجُومُ السَّمَاءِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.
كذلك في صلاة المسجد له أجر المصافحة مع اخوانه المصلين، وغيرها من الفضائل فإذا دخل المسجد والإمام في الصلاة فيجب عليه الاقتداء به فيدرك معه ويتمّ ما فاته بعد سلامه، فَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:- (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ؟ قَالَ: فَلاَ تَفْعَلُوا إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ وجلّ.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله تبارك اسمه أعلم.