2015/04/22

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيّدي أتمنى أنكم بخير وبأتم الصحة والعافية وأسأل الله أنْ يفتح عليك فتوح العارفين ..

سيّدي أعلم أنّ هذه الدنيا فانية ولكنني أشعر أنني متعلق بها ولو قليل، فكيف الخلاص منها؟ كذلك سيّدي أريد أنْ أفني نفسي بطلب العلم فأحيانا تشتد همّتي لذلك وأحيانا تضعف فكيف أجعل همّتي كهمم العلماء السابقين الذين لا يكلون؟ وكذلك أشعر أنني لو طلبت العلم أنني أريد أنْ أحفظ بسرعة فما هي الأشياء المعينة لطلب العلم والمعينة على حفظ القرآن الكريم وغيرها من المتون؟ وهل ممكن أن نصل إلى درجة حفظ الصفحة بقراءتها مرّة واحدة بالمداومة على ذكر مثلا سيّدي؟ ..

وجزاكم الله خيرا سيّدي وفتح الله عليكم

الاسم الكامل: ابو بكر

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عزّ وجلّ خيراً على دعائك الطيب ولك مثله.

أمَّا الجواب عَنْ الشطر الأول مِنَ السؤال فلا بُدَّ للمسلم أنْ يعرفَ حقيقة الدُّنيا فأقولُ ومِنَ الله سبْحانَهُ وتعالى التوفيق .

قال ربُّنا جلَّ جلالَهُ وعمَّ نوالهُ {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد : 20].

إنَّ حبَّ الدُّنيا والتعلّق بها مِنَ الأسباب التي تعوق عَنِ العمل الصالح وتصدّ عنه، فهو رأسُ الفتنةِ، وباب كلِّ شرٍ، فالناس جميعاً مِنْ لدن سيِّدنا آدم عليه السلام إلى يوم القيامة في سفرٍ للعودة إلى الدار التي خرجوا منها.

فالدُّنيا ما هي إلا مرحلة يمرُّ بها الإنسان في طريق عودته إلى الجنة، والنّاس في ذلك على صنفين منهم مَنْ يعود إلى الدار التي خرج منْها، ومنْهم إلى النار أعاذنا الله تعالى وإيّاكم منها.

ولذلك جاءت تسمية الدُّنيا في القرآن الكريم بجملة مِنَ الأسماء التي تدلّ على حقيقتها ومفهومها فهي العاجلة كما قال جلّ وعلا {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء : 18]، وقال عزّ شأنه {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} [القيامة : 20]، وهي دار الغرور {— وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران عليهم السلام: 185].

وتحدّث القرآن الكريم في كثير مِنَ الآيات عَنْ قصرها وسرعة انقضائها، وبيّن حقيقتها، وحقارة ما فيها مِنَ المتاع، وضرب لذلك الأمثال، وبيّن أنَّ أجل الإنسان فيها محدودٌ لا يتقدم أو يتأخر.  

والمتأمل في سير الناس في هذه الحياة الدُّنيا يجد انغماسا في ملذاتها وشهواتها، رغم ما ورد في القرآن الكريم من التحذير مِنَ الاغترار بها وبمتاعها الزائل، قال سبْحانَهُ {—فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان عليه السلام: 33]، وقال عزَّ وجلَّ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر : 5].

وقَالَ سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالاهُ (الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ ذكره.

يقول الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه…

                 إنَّ للَّهِ عِبَـــــــاداً فُطَنَا *** تَرَكُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الفِتَنَا

                نظروا فيها فلما علموا *** أنها ليست لحــــــيٍّ وطنا

                جعَلُوهَا لُجَّة ً وَاتَّخَذوا *** صالحَ الأعمالِ فيـها سفـنا

فالمذموم مِنَ الدُّنيا إذاً الركون إليها وإلى متاعها الزائل، وما فيها مِنْ شهوات ومضلات الفتن.

ولقد ذكرتُ في المبحث الثاني مِنَ ا
لباب الأول تحت عنوان الدنيا دار ابتلاء (صفحة 21) مِنْ رسالتي الموسومة إعداد الإنسان للآخرة في القرآن الكريم، والموجودة في قسم أبحاث ودراسات مِنْ هذا الموقع المبارك ما يغني القارئ في معرفة حقيقة الدُّنيا.

وأمَّا الشطر الثاني مِنَ السؤال وهو إيجاد الهمَّة في طلب العلم وهذا جاء جوابهُ في السؤال المرقم (1459) في هذا الموقع المبارك ولراحة القارئ أودُّ نقلهُ في هذا الجواب فأقول وبالله التوفيق:

قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَنْ سَلَكَ طَرِيْقاً يَطْلُبُ بِهِ عِلْماً سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيْقاً إلى الجَنَّةِ، وَإنّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا رَضاً لِطَالِبِ العِلْمِ) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

والعلم الشرعي كسائر العلوم لابدّ له من أستاذ قد سلك طريق العلم على يد أساتذته عبر سلسلة مباركة موصولة إلى حضرة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أجمعين يُجيز فيها السلفُ الخلفَ ، فليست العبرة بالعلم وإنما بمنْ يحمله ، فالعلم الشرعي ليس كسائر العلوم من حيث كونه معلومات مجردة وإنما هي هدايات من نور يستهدي بها العلماء إلى مفاتيح الخير والفلاح، قال تعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى/52]، ولقد اشتهر عن السلف رحمهم الله تعالى قولهم: إنّ هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم.

فإنْ هداك الله تعالى إلى مثل هؤلاء العلماء وهم كثير بفضل الله تعالى فالأستاذ حينئذ أعلم بالكتب التي يختارها بما يلائم فهم الطالب ومستواه العلمي ويضع له الترتيب اللازم للنهوض به إلى مراقي العلماء، فإنْ لم يتيسر ذلك فلا ينبغي للمسلم أنْ يخلو يومه على كلّ حال من القراءة والمطالعة في أنواع العلوم، ولا شكّ أنّ القرآن الكريم في مقدمة ذلك تلاوة وحفظا قدر المستطاع، ثمّ قراءة شيء من التفسير والحديث الشريف والسيرة النبوية المباركة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، كذا قراءة التأريخ والأدب وكلّ بحسب اختصاصه واستطاعته ووقته. انتهى

أمَّا الشطر الثالث وهو سرعة الحفظ فالإنسان يستطيع أنْ يقوي حفظهُ بأمور منها.

الاستعانة بالله جلّ في علاه والتوكل عليه، ومنها تقوى الله سبْحانَهُ {—وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة : 282]، وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) الإمام أبو نعيم رحمه الله تعالى، ومنها ترك المعاصي والذنوب، قال الإمام الشافعي رحمهُ الله عزّ وجلّ:

شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي *** فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي 

وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُـــــــــورٌ *** ونـــورُ الله لا يُهـدى لعاصـي

ومنها الاستعانة ببعض الأدعية التي فيها التضرّع والطلب مِنَ الله جلّ جلاله مثل قوله سبحانه {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه عليه الصلاة والسلام: 28]، وقوله {— سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32]، ومنها اللهم علمني ما جهلت وذكرني ما نسيت وزني علما ومنها كثرة الاستغفار وكثرة الصلاة على الحبيب صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم .

وصلى الله تعالى على سيِّد الخلق وحبيب الخلق سيِّدنا وحبيبنا محمد وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار وسلم تسليما كثيراً.

والله تبارك اسمه أعلم.