2015/03/04

السؤال:

في السابق كنت أدعو بحماس وكنت أشعر بالسعادة لفعلي ذلك..

ولكن بعد معرفتي أنّ الناس يمدحوني ويعتبروني وينادونني بالشيخ، شعرت بالخوف من أنني قد اخترب وأضيع وأصبح صايعا..

فقلّ حماسي للدعوة وزاد خوفي من المعصية بحيث أصبحت أخاف أنْ أدعو وقد تكون نيّتي رياء وأنا لا أعلم أو غيرها وأخاف أنْ أرتكب الكبائر فأبتعد عن الناس وأحاول عدم البقاء معهم وقلّت سعادتي وأصبحت لا أكترث للحياة ولا للناس كالسابق..

فبماذا تنصحونني سيّدي مع أنني أحبّ عمل الخير وأحبّ الدعوة إلى الله مع افتقاري للعلم..

مع أنني أساعد وأدعو وأعمل الخير ولكن لا أنوي في كلّ عمل الإخلاص لله وبدون نيّة، أقصد أنّني أبادر للخير هكذا فطرة فهل أحصل على الأجر أم عليّ أنْ أنوي في كلّ عمل النيّة الصالحة؟..

وجزاكم الله خيرا سيدي.

 

الاسم: أبو بكر

 

الرد:-

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على تواصلك مع الموقع المبارك.

الدعوة إلى سبيل الله عزّ وجلّ واجب كلّ مسلم سواء بلسانه أو بسيرته وأخلاقه بين الناس، امتثالًا لنصوص الكتاب الكريم والسنّة المطهرة ومنها قوله عزّ شأنه:-

{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة النحل: 125].

وقول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(‌مَنْ ‌دَعَا ‌إِلَى ‌هُدًى، ‌كَانَ ‌لَهُ ‌مِنَ ‌الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(بَلِّغُوْا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

والخوف من الرياء والعُجب محمود ولكن يجب أنْ لا يكون مبالغًا فيه بحيث يمنعك من نصح النّاس وإيصال الخير لهم.

وعليك أنْ تبيّن لهم أنّك لست شيخًا وإنّما ناصح أمين محبّ لهم لا تخلو من الذنوب والعيوب.

وأنْ تُخلص النّية لله سبحانه وتعتقد في نفسك أنَّ النّصح الذي تقدّمهُ إنّما هو لنفسك أوّلاً وأنّك أحوج منهم لهذه المواعظ.

وأذكّر نفسي وجنابك الكريم بوجوب تطبيق ما ندعو الناس إليه مستذكرين قول الله جلّ وعلا:-

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة البقرة: 44].

وقوله سبحانه:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [سورة الصف: 2 – 3].

فالحقّ جلّ وعلا ينبّه عبده الذي يتصدّى لنصح النّاس وإرشادهم بأنْ يكون قدوة لهم في ذلك لتكون مواعظه نابعة من قلب مخلص، وقد قيل:-

ما خرج من القلب يدخل القلب، وما خرج من اللسان لا يتجاوز الآذان.

ولم يفهم العلماء والمفسّرون رحمهم الله تعالى بأنّ مَنْ يعرف نفسه مقصّرًا لا يجوز له أنْ يتصدّى للنصح والدعوة وإرشاد النّاس ولكن تنبيه مَنْ هم في صدارة المسؤولية في كلّ مكان وزمان أنْ يبدؤوا بأنفسهم فيهذّبوها ويجعلوا لها نصيبًا ممّا يدعون إليه، ويقرّوا بأنّهم مقصّرون وليسوا بأفضل حالًا من العامّة.

نعم قد يعتري المسلم خوف من خلل في ميزان قوله مع عمله ولكنّ القول إذا نبع من نيّة صالحة فإنّها تصبّ في ميزان الأعمال خاصّة إذا وجد ثمرة ما يقوله ويرشد إليه هداية وصلاحًا للنّاس وسرورًا يدخل إلى قلبه فرحًا بإنقاذ الله تعالى نفسًا على يده من مهاوي الشيطان.

وليس في هذا الكلام تثبيطٌ أو تعجيزٌ للناصحين ولكن تنبيهٌ لخطورة أنْ يتصدّى الجهلاء وذوي السمعة السيئة للنصح ممّا يشكّل ردّة فعل معاكسة لدى المتلقي بحيث تقلّ ثقته بالدِّين أو المتدينين خاصة مَنْ كان في قلبه مرضٌ أو قريبَ عهدٍ بالسيئات أو متأثّرًا بأفكار مريضة، وهذه حالة خَبَرَها النّاسُ بأنفسهم.

ولقد درج علماء الأمّة رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنْ لا يقبلوا دارسًا للعلوم الشرعية ما لم يكن صاحب دِيْنٍ وخُلُق وسمعة طيّبة حتّى لا يوضع العلم الشرعي بأيدٍ غير أمينة فيغترّ النّاس بهم وبسلوكهم.

أمّا أنْ تجعل خوفك من الرياء والعجب سببًا لابتعادك عن النّاس فهذا غير صحيح فالله عزّ وجلّ خلق الإنسان ليقوم بواجب الخلافة في الأرض كلٌّ حسب موقعه واستطاعته، ويجب أنْ تكون أعمالك بنيّة صادقة لتعزّز رصيدك من الحسنات وترفع درجاتك عند ربّ الأرض والسماوات سبحانه، فكلّ عمل لا يكون عبادة وتقرّبًا إلى الله جلّ في علاه ما لم تصاحبه نيّة بذلك.

وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (552، 703، 800) في هذا الموقع الكريم.

والله عزّ شأنه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.