2014/11/28

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شيخينا الفاضل أسأل الله العليّ القدير أن يحفظكم وجميع العاملين في هذا الموقع المبارك خدمة للإسلام والمسلمين، وأن يجعله في ميزان حسناتكم يوم الدين. اللهمّ آمين.

عذرا شيخنا وأنا أطالع سؤال وجواب في موقعكم المبارك استوقفني جواب السؤال 884 وهو حكم ذكر أبيات من الشعر في خطبة الجمعة، فأسأل هنا إنْ كانت هناك حكمة تقتضي ذكر أبيات الشعر ولظرف معين، دون أنْ تكون عادة فهل هناك مانع شرعي سيّما وجنابكم في جوابه يميل إلى المنع. وجزاكم الله عنّا خير الجزاء.

 الاسم: محب

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على دعواتك الكريمة وأدعو لك بمثلها سائلا الله جلّ وعلا القبول إنّه سبحانه خير مأمول وأكرم مسؤول.

مع ما ذكرته في جواب السؤال السابق فإنّي أضيف: إنّ الأحاديث متعارضة في حكم إنشاد الشعر في المسجد بشكل عام فمنها ما ورد عنْ سيّدنا رَسُولِ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَآله وصحبه وسَلَّمَ (‏‏أَنَّهُ ‏‏نَهَى عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنْ الْبَيْعِ‏ ‏وَالِاشْتِرَاءِ فِيهِ وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) رواه الترمذي رحمه ربنا العلي.

ومنها ما ورد عن سيدنا سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ (مَرَّ عمرُ فِي الْمَسْجِدِ وَحِسَان فِيهِ يُنْشِدُ, فَلَحَظَ إِلَيْهِ, فَقَالَ: كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك, ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: أَنْشُدُك اللَّهَ أَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَجِبْ عَنِّي, اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ قَالَ: نَعَمْ) الإمام البخاري رحمه ربنا الباري، وعن سيّدنا جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: (شَهِدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَأَصْحَابُهُ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ وَأَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَرُبَّمَا تَبَسَّمَ مَعَهُمْ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه، وقد جمع العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بين هذه الأحاديث المتعارضة بأقوال هي ما يلي:

1 – إنّ أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الجواز، وقد قال بهذا القول واحد مِنَ الفقهاء ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله جلّ وعلا فقال (وَأَبْعَدَ أَبُو عَبْد الْمَلِك الْبَوْنِيُّ فَأَعْمَلَ أَحَادِيث النَّهْيِ وَادَّعَى النَّسْخَ فِي حَدِيثِ الْإِذْنِ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ حَكَاهُ اِبْنُ التِّينِ عَنْهُ)

2 – أحاديث الأذن تدلّ على الجواز، وأحاديث النهي تدلّ على الكراهة، فيكون إنشاد الشعر في المسجد جائزا مع الكراهة.

3 – إنشاد الشعر في المسجد جائز من غير كراهة.

والراجح جواز إنشاد الشعر في المسجد ولكنْ بشروط:

أولا: أنْ لا يكون الشعر بذيئاً فاحشاً أو باطلا.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله سبحانه (فَالْجَمْع بَيْنَهَا وَبَيْن حَدِيث الْبَابِ أَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى تَنَاشُدِ أَشْعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْمُبْطِلِينَ, وَالْمَأْذُونِ فِيهِ مَا سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ).

ثانيا: أنْ لا يكون غالبا في المسجد، وينشغل الناس به عن غيره ممّا وضعت المساجد مِنْ أجله، ولكي لا يكون المسجد مكانا مثل النوادي الأدبية، وأسواق الجاهلية, قال الحافظ ابن حجر رحمه الله عزّ وجلّ (وَقِيلَ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَا إِذَا كَانَ التَّنَاشُد غَالِبًا عَلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَتَشَاغَلَ بِهِ مِنْ فِيهِ)، وقد جاء النهي من النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام عن كثرة الانشغال بإنشاد الشعر إذ ‏قَالَ (‏‏لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) الإمام البخاري رحمه الله سبحانه, وبوَّب رحمه الله تعالى على الحديث (ما يكره أنْ يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده)، وعلّق الحافظ ابن حجر رحمه الله جلّ وعلا بقوله (تَنْبِيه‏: مُنَاسَبَة هَذِهِ الْمُبَالَغَة فِي ذَمّ الشِّعْر أَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ كَانُوا فِي غَايَة الْإِقْبَال عَلَيْهِ وَالِاشْتِغَال بِهِ, فَزَجَرَهُمْ عَنْهُ لِيَقْبَلُوا عَلَى الْقُرْآن وَعَلَى ذِكْر اللَّه تَعَالَى وَعِبَادَته, فَمَنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مَا أُمِرَ بِهِ لَمْ يَضُرّهُ مَا بَقِيَ عِنْدَه مِمَّا سِوَى ذَلِكَ).

أمّا في خطبة الجمعة فإنّ الأمر يضيق لما ذكرته سابقا وإنْ كان قد يستأنس للجواز بما جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله جلّ جلاله عَنْ سَيّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَشْعَرُ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ، وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ) وهذا يحتمل أنْ يكون في خطبة الجمعة أو غيرها، والحديث عند الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ دون قوله (عَلَى الْمِنْبَرِ).

وحتى لو اعتمدت رواية (عَلَى الْمِنْبَرِ) فلا تكون دليلا قاطعا على أنّه كان في خطبة الجمعة لأنّه بأبي وأمّي ونفسي هو صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم كان يشرّف المنبر فيها وفي غيرها.

ويمكن أنْ يقول المانعون أيضا بأنّ الاستدلال بهذا الحديث الشريف ضعيفٌ لأنّه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام ما أتمّ البيت المنشود، ولكن إذا ذكر الخطيب نصّا منقولا وفيه أبياتٌ من الشعر فلا أرى بأسا به على أنْ يكون ضمن الضوابط المذكورة في الجواب السابق واللاحق، وذلك تحريا لأمانة النقل.

ومع ما رجَّحْته سابقا مِنْ كراهة إنشاد الشعر في خطبة الجمعة وأرى التقيّد به إلا أنّي لا ألزم أحدا بهذا الرأي ولا أنكر على مَنْ ارتأى الأخذ بالرأي الثاني مع ضوابطه، ولا يُنكَرُ تغيّرُ الفتوى بتغيّر الزمان والمكان والأحوال، فقد يَرَى أحد الخطباء حفظهم الله تعالى أنَّ مِنَ الحكمة إنشاد بعض الأبيات مِنَ الشعر لِمَا فيها مِنْ نفع للحاضرين والمستمعين، وأختم بما قال صاحب أضواء البيان (فليحذر الدعاة إلى الله وطلبة العلم والخطباء من فتنة الشِّعر؛ فإنّ لها بريقاً يخطف الأبصار، ولها حلاوة تسلب العقول، وليحرص أنْ يمتلأ جوفه بكتاب الله، ونصوص السنَّة، ولا بأس مِنْ حفظ بعض الأشعار، لكن ليس على حساب نصوص الوحي).

وصلَّى الله تعالى على ذي المنظر الباهر والجمال الفاخر سيّدنا ومولانا مُحَمَّد الذي ما كان بكاهن ولا شاعر وعلى آله وصحبه وسلَّم ما أضاء كوكبٌ زاهر وما سار سائر وحنَّ مشتاق للمبيت بالمشاعر.

والله تبارك اسمه أعلم.