2014/11/26

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي ومولاي سعد الله حفظكم الله سيّدي من كلّ ابتلاء ومكروه وجزاكم الله عنا خير الجزاء. سيّدي كيف لمَنْ ليس له علم عن محبة وتوقير وتعظيم سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنْ أدعوهم بأذن الله تعالى لهذا الأمر ومن أي الكتب أقتبس وادعو لي سيّدي بالحكمة وأنْ أكون واعظا ذا قول بليغ في سبيل ربي جلت عظمته.

الأسم: محمد

الرد:

وعليكم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، بارك الله عزّ وجلّ فيك على مشاعرك الطيّبة ودعواتك المباركة وأرجوه سبحانه أنْ يمنّ علينا جميعاً بشرف خدمة دينه وعباده.

قيل: إنّ عبداً مملوكاً جاء إلى الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى قائلاً (إنّ سيّدي يحرص على حضور مواعظك والأخذ بها فأتمنى عليك يا إمام أنْ تتحدث عن أجر عتق العبيد لعلّه يتأثر بكلامك فيعتقني، فوعده الإمام البصري رحمه الله تعالى خيراً، فمرّت سنة إلى أنْ تحدّث الإمام رحمه الله تعالى عن فضل عتق الرقاب، فجاء العبد إلى الإمام شاكراً لأنّ سيّده أعتقه تأثراً بالوعظ ومعاتباً لتأخرّه سنة كاملة فأجابه رحمه الله تعالى قائلاً: يا ولدي لم أعتد أنْ أعظ الناس بشيء لم أفعله، وبما أنّي لا أملك عبداً فقد جمعت ثمنه طيلة هذه السنة ثمّ أعتقته).

من ثَمّ نستخلص درساً مهماً لكلّ مَن يتصدّى لوعظ الناس ونصحهم كي يدخل كلامُه قلوبَهم أنْ يكون أقرب ما يمكن من الإيمان بما يقول وتطبيق ما ينصح به، لا أنْ تكون حياتُه في وادٍ ونصحه للناس في وادٍ آخر، قال ربّنا جلّ جلاله {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3]، وقال نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ. قَالَ: قُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا مِمَّنْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، أَفَلَا يَعْقِلُونَ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ وعلا.

ورحم الله تعالى القائل:

يَـا أَيُّـهَـا الـــرَّجُـلُ الْمُـعَـلِّــمُ غَـيْـــــرَهُ *** هَلَّا لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّـعْـلِيـمُ

تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى *** كَيْـمَا يَصِحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيـمُ

ابْــــدَأْ بِـنَـفْـسِـك فَـانْـهَـهَا عَـنْ غَـيِّـهَــا *** فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

فَهُنَـاكَ تُـعْــذَرُ إنْ وَعَظْـتَ وَيُـقْـتَــدَى *** بِالْقَوْلِ مِنْك وَيُـقْبَلُ التَّـعْـلِيـمُ

لَا تَـنْـهَ عَـنْ خُـلُـقٍ وَتَـأْتِــــيَ مِـثْـلَــــهُ *** عَـارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيـمُ

ومن هنا فإنّي أنصحك بأنْ تتعلّم أولاً سيرة حضرة النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وبعض الفقه المصاحب لهذه السيرة العطرة، وأنْ تزرع في نفسك وقلبك حبّه عليه الصلاة والسلام بتأملك سيرته وأخلاقه وشمائله فمحبته شرط للإيمان ومدخل لمحبة الله تبارك وتعالى القائل {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران عليهم السلام: 31]، وقال عليه الصلاة والسلام (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) متفق عليه.

وأوجهك كذلك بالاطلاع على بعض قصائد المدح التي قيلت فيه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، والإكثار من الصلاة والسلام عليه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم قدر استطاعتك فقد جاء في الحديث الشريف (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرُهُم عليّ صلاة) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

وأنا أدعو الله عزّ وجلّ بأنْ يزرع في قلوبنا محبة نبيّنا وشفيعنا المصطفى صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والوفا، وأنْ يلهمك الحكمة في دعوتك المباركة ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين  (1279، 1773) في هذا الموقع المبارك، والله سبحانه وتعالى أعلم.