2014/01/18
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي حضرة الشيخ سعد لله أحمد أدامك الله وحفظك للمسلمين الله يوفقكم لما يحب ويرضى سؤالي سيّدي:-
هل يؤثر البعد الجسدي بين المرشد الكامل وبين المريد خصوصا إذا كان المريد يحتاج إلى التكلم مع مرشده عن نفسه وكذاك اشتياقه لرؤية شيخه؟
الاسم: علي اسماعيل
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكر جنابك الكريم على تواصلك ودعواتك الطيبة، وأسأل الله عزّ وجلّ أنْ يوفق الجميع لمراضيه، ويجعل حالي وحالكم خيرا من ماضيه.
إنّ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى شيء من التفصيل وذلك وفق نقاط، أذكر أهمّها:-
1- إنّ أصل العلاقة بين المرشد (المربّي) والمسترشد (السالك) روحية لا جسدية وهذا يتضح من تسمية هذا المنهج المبارك بـ (العمل الروحي الإسلامي، علم التزكية، التربية الروحية).
2- إنّ السادة المُرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم يوصون دائما بكثرة الرابطة معهم باعتبارها سبيلا عظيما لترقية الأرواح وتزكية النفوس، وبهذا التواصل الروحي تزول الكثير من الشهوات والشبهات، وقد يُقذف في قلب المُريد الكثير مِنْ أجوبة الأسئلة التي يُريد الاستفسار عنها.
ولمعرفة المزيد عن هذا الموضوع أرجو مراجعة جواب السؤال (1368) وكتاب (الرابطة القلبية) المنشور على هذا الموقع المبارك.
3- لقد يسّر الله جلّ جلاله وعمّ نواله الكثير من وسائل التواصل النافع والمبارك مع المرشد رضي الله تعالى عنه وعنكم، ومع سائر الأحباب، وبها يحصل الغذاء الروحي وينطفئ بعض جذوة الشوق للّقاء الجسدي، وهنا مِنَ الضروري أنْ أذكّر بـأهمية الارتباط بالواحات الروحية التي أنشأها السادة المرشدون رضي الله تعالى عنهم وعنكم، كذا مع السادة العلماء الأفاضل الذين أجازوهم بالختم الشريف، فكلّ ذلك بصمات روحية للمرشد تفعل فعلها الطيّب في نفوس المريدين والناس أجمعين.
ولمزيد فائدة يُرجى مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (426، 525، 1663) في هذا الموقع الكريم.
4- من المهم هنا أنْ أذكّر الأحباب جميعا بأنّ المرشد رضي الله تعالى عنه وعنكم مُكلّفٌ بمهام روحية عظيمة وكثيرة، إضافة إلى مسؤولياته المتعددة في الجانب العلمي والاجتماعي والإنساني، فينبغي مراعاة ذلك، والتصرّف على وفقه، وهذا يدعونا إلى التحلي بالنباهة والدقة والحساسية المرهفة في التواصل والتعامل مع حضراتهم أعانهم الله تعالى ورضي عنهم وعنكم، وعليه ينبغي مجانبة كثرة السؤال خاصة في الأمور الصغيرة وغير المهمة، ولقد علَّم الله جلّ في علاه الصحابة الكرام رضي الله سبحانه عنهم أجمعين أدب الحديث مع حضرة خير الأنام سيّدنا محمد عليه من الله تعالى أفضل صلاة وسلام وآله وصحبه الكرام، وجعل لها ضوابط وأحكاما، قال عزّ من قائل:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة المجادلة: 12].
وقال أيضا:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} [سورة الأحزاب: 53].
ولقد أورد الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه في صحيحه:-
(بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لَا يَعْنِيهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ})
وذكر فيه أحاديث منها:-
عَنْ سيّدنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه:-
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا، قَالَ أَنَسٌ: فَأَكْثَرَ النَّاسُ البُكَاءَ، وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: سَلُونِي، فَقَالَ أَنَسٌ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْنَ مَدْخَلِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: النَّارُ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ، قَالَ: ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: سَلُونِي سَلُونِي، فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا، فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ، وَأَنَا أُصَلِّي، فَلَمْ أَرَ كَاليَوْمِ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ).
ومَنْ أراد الاستزادة فعليه مراجعة هذا الباب من هذا الكتاب المبارك وغيره من كتب الحديث الشريف.
5- ينبغي للمُريد أنْ يبتعد عن كلّ ما فيه إحراج لشيخه أو ما هو خارج عن نطاق اللياقة اللازمة للتعامل معه، لأنّ السادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم يغلب عليهم الحياء والرأفة متأسّين بالرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فيستجيبون لبعض طلبات أو أسئلة أحبابهم على الرغم أنّ فيها ما يُحرجهم أو يُكدر صفوهم، كما ينبغي للمُريد أنْ يتحلى بالأدب العالي مع شيخه، وأنْ يفهم عنه، ويبتغي مواطن رضاه، فإنّ رضا الله جلّ وعلا ورسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام من رضاه، فالمرشد أبٌ روحي، والأب الروحي مُقدّم على الأب الصلبي الذي قال عنه نبيّنا الكريم عليه من الله تعالى أفضل صلاة وتسليم وآله وصحبه المكرمين:-
(رِضَا اللهِ مِنْ رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللهِ مِنْ سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ) الإمام البيهقي رحمه الله عزّ وجلّ.
ولمعرفة بعض صفات حضرات السادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1654) في هذا الموقع المبارك.
6- إنّ المرشد الكامل له القدرة بالتوجّه الروحي على قلب السالك ليستفيد الأخير منه ويستثمره لتقوية قلبه وإنهاضه لذكر الله تبارك وتعالى، فالقلب محط نظر الباري سبحانه، وهو الذي نوّه به ربّنا جلّ جلاله في مواضع من كتابه العزيز منها:-
قوله عزّ من قائل:-
{— وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [سورة الكهف: 28].
وقوله عزّ وجلّ:-
{ما أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة التغابن: 11].
وقد صرّح سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه فقال:-
(إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
ومن لحظة قبول المرشد للسالك يصبح بإمكان المسترشد أنْ يتلقى البركات والتوجهات من قلب مرشده مهما بعدت المسافات بينهما، فالروح وقواه لا تحدها حدودٌ ولا يعيقها بُعدٌ.
7- لقد جعل الله تعالى تبايناً وتفاوتا في طاقات الخلق ودرجاتهم، ويصح هذا القول على أشرف المخلوقات وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال سبحانه:-
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ —} [سورة البقرة: 253].
وينطبق كذلك على أولياء الله الصالحين وسائر المؤمنين رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين، وهذا التفاوت ينتج عنه تباين في استفادة أي سالك من أيّ مرشد، ولفهم هذه الحال بشكل أوضح أستعين بمثال فهو خير أنيس في العلوم كما قال سيّدي وسندي حضرة الشيخ عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه، والأمثلة تضرب ولا تقاس:-
فإنّ محطة الإذاعة تبثّ إرسالها إلى أجهزة المذياع المنتشرة في كلّ البقاع، وكلما كان بثّ المحطة قوياً كلّما استقبله المذياع بشكل أفضل، وكذلك كلّما كان المذياع متطوراً ومصدر طاقته قوياً وموجهاً بشكل صحيح كلّما استقبل البثّ بصورة أقوى، والعكس صحيح، فإذا كان قلب المرشد هو محطة البث فإنّه لا شكّ له القدرة بالحدّ المعقول لإيصال البركة إلى قلوب السالكين لأنّ الله عزّ وجلّ ما شرّفه بهذا التكليف دون أنْ يكون قادراً عليه، فيبقى الواجب على السالك أنْ يهيئ قلبه ويوجهه الوجهة الصحيحة آخذاً بالأسباب فيطهّر ما علق به من أدران الدنيا وفتنها، وهذا كله بإذن الله جلّ في علاه.
8- يقول الله تبارك اسمه:-
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 31].
فهذه الآية الكريمة تبيّن بوضوح أنّ المحبة هي أساس الاتباع ولذلك رفع الله جلّ جلاله منزلة المتحابين فيه سبحانه، قَالَ سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-
(إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي) الإمام مالك رحمه الله جلّ ذكره.
وكلما كانت المحبة أعظم كان الاتباع أكمل.
فهذا سيّدنا ثَوْبَانَ رضي الله سبحانه عنه مَوْلَى سيّدنا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لَهُ، قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَنَحِلَ جِسْمُهُ، يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ، فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(يَا ثَوْبَانُ مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي مِنْ ضُرٍّ وَلَا وَجَعٍ، غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ، وَاسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ وَأَخَافُ أَنْ لَا أَرَاكَ هُنَاكَ، لِأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَأَنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ فَذَاكَ أَحْرَى أَنْ لَا أَرَكَ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [سورة النساء: 69]) أسباب النزول للإمام الواحدي رحمه الله عزّ شأنه.
فاشتياقُ السالكِ لمرشدِهِ الكامل رضي الله تعالى عنه وعنكم لا يحدثُ إلّا عن حبٍّ سبقه، فهو مِن أسبابِ اتّباعِه له رضي الله تعالى عنه وعنكم والتزامه بالعهدِ الذي قطعه على نفسهِ، وليعلمَ أنَّ كلَّ مَن اشتاقَ لمرشده رضي الله تعالى عنه وعنكم مهما ارتقت درجةُ الاشتياق فإنِّه لا يبلغُ درجةَ اشتياق المرشدِ رضي الله تعالى عنه لمُريده، فالمحبة متبادلة، قال الله سبحانه:-
{— يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ —} [سورة المائدة: 54].
9- إنّ اللقاء الجسدي ضروري ولو لمرّة واحدة، والانتفاع فيه مُؤكد بإذن الله الكريم الوهاب، لكنّ حاجة السالك للقاء المرشد رضي الله تعالى عنه وعنكم تتفاوت من شخص لآخر، فمع وجود حاجة مشتركة بين الجميع لهذا اللقاء والتواصل فإنّ قلة أو انعدام اللقاء تبعاً للظروف لا يبرر للسالك الفتورَ والتهاونَ في عمله الرّوحي ما دام مؤمنا أنّ مرشده يستطيع التوجّه إليه في كلّ وقت، وما دام يؤمن بأنّ الأوراد – إنْ حافظ عليها – لها أثرٌ في تطهير قلبه وزيادة حصته من الحسنات بما تنطوي على استغفار لربّ الأرض والسماوات والصلاة والسلام على سيّد السادات وتلاوة السور والآيات المباركات، مع حضور القلب واستجماع الهمّة متجها إلى القبلة الشريفة.
فغاية رغبة المرشد وهدفه واستبشاره وفرحه أنْ يراك أيها السّالك متوجهاّ إلى ربك جلّ جلاله وعمّ نواله، فما قيمة اللقاء وقلبك لاهٍ عن الله عزّ وجلّ؟
وما أعظم حضور القلب حتى لو كان مرشدك بعيدا عنك، فبعض السالكين يعتقد أنّ المرشد يتولى كلّ أموره الروحية وكأنّه يعمل نيابة عنه وينسى أنه – أي السالك – هو المحاسب أولاً وآخراً أمام رب العالمين تبارك وتعالى، وعليه مجاهدة نفسه بكلّ السبل، فالسلوك هو بداية طريق المجاهدة وإعلاء الهمّة وليس طريق الرّاحة والاتكال.
ثم إنّ إخلاص السالك بما عاهد مرشده عليه وحرصه على ما أوصاه به قد يثيبه الله تعالى بأنْ ييسر له لقاء مرشده والتزوّد من علمه وبركاته وتوجيهه.
ففي كلّ الأحوال على السالك أنْ يلتزم بما عاهد الله عزّ وجلّ عليه، وأنْ يخلص في عمله ويجتهد فيه، فهذا المنهج المبارك لم يكن إلّا لإرضاء ربّ العالمين وتقريب الناس من رحمته وكشف الدياجي لرؤية نور هدايته وتذوق حلاوة الإيمان به، وهذا يتأتى بشتى الوسائل إذا كان الإنسان والسالك بوجه خاص حريصا لنيله.
إذنْ اللقاءُ الجسدي مهمٌ جداً في تزكيةِ السالكِ لنفسه إنْ لمْ يكنْ ما يمنعُ مِن اللقاءِ الجسدي، أمّا إنْ كانَ هناك ما يمنع فيبقى الأصلُ قائماً وهو اللقاءُ الروحي فهو أساس العمل الروحي الإسلامي، فقد سطّرَ لنا سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم وعنكم في العلاقاتِ الروحيةِ بينهم وبينَ دُرَّةِ صَدَفةِ الوجودِ المخصوصِ بالشفاعة العظمى والمقام المحمود سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أروع الأمثلة، يقول ربّنا سبحانه:-
{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [سورة التوبة: 92].
وَقَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ:-
(إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْنَا مَسِيرًا، وَلَا قَطْعَنَا وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَنَا فِيهِ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ) الإمام مُسْلِم رحمه الله جلّ في علاه.
أي بأرواحهم ولا ينفي ذلك مَنْ فسّر (إِلَّا كَانُوا مَعَنَا فِيهِ) بالأجر إذ لو لم يكن اتصالا بالروح لما كان الأجر قد ثبت.
فهذا سيّدنا أويس القرنيّ رضي الله عزّ وجلّ عنه وهو تابعيٌّ جليل لم يرَ النبيَّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ببصرِه ولكن رآه ببصيرته وهي قوّةٌ مِن قوى الروح، قال سيّدنا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه:-
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ فَاسْتَغْفِرْ لِي فَاسْتَغْفَرَ لَهُ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ وعلا.
ما مَنعهُ بُعدَهُ الجسدي عن حبيبه المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه وآله الأطهار وصحابته الأبرار أنْ ينالَ هذه المنزلة العظيمة بل كان حاضراً بروحه.
وهذا النجاشي رضي الله جلّ وعلا عنه لم يلتقِ بسيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم والتقى بصحابته الكرام رضي الله سبحانه عنهم أجمعين ومعَ ذلكَ بلغَ مِن منزلته أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ قَالَ فيه ما رواه سيّدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه إذ قال:-
(إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْبَقِيعِ فَصَفَّنَا خَلْفَهُ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ شأنه.
ولعلّ ما يُيَسر على المحبين البُعدَ الجسدي هو الرضا بقضاءِ الله العزيز الحكيم جلّ جلاله وعمَّ نواله، وقد قال حبيبنا المحبوب صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل المجد والكرم:-
(كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.
وقولي إنّ لقاء المريد بمرشده مهم وضروري إنّما هو رأيي الذي قد يخالفني فيه غيري من حضرات السادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم لأنّ أحوالهم ووجهات نظرهم في هذا الموضوع وغيره تختلف بذلك جرت سنّة الله جلّ وعلا في خلقه، قال سبحانه:-
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ —} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 118 – 119].
كما أرى أنّ هذا اللقاء يحقق الاستفادة للطرفين (المرشد، والسالك) أمّا المرشد فيتعرّف من خلاله على أحوال السالكين وأوضاعهم ويستمع إلى مشاكلهم وأخبارهم وهذا حتما يعينه على معرفة الواقع بشكل أوضح، بالإضافة إلى بركات الاجتماع على ذكر الله عزّ وجلّ التي تليق بفضله العظيم وعطائه الكريم جلّ جلاله وعمّ نواله.
وأمّا السالك فلا تخفى ما يناله من بركات توجهه وتوجيهاته ولذّة الأنس بلقائه وقرّة عينه بذلك.
اللهمّ اجمعني مع أحبابي في الدنيا والآخرة جمعا تقرّ به أعينهم وعيني وتثبّت به أفئدتهم وفؤادي وتطمئن به قلوبهم وقلبي بجاه سيّدنا محمّد النبيّ الهادي صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه كلما نادى المنادي.
وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1650) الموسوم بـ (لقاء المريد بمرشده ضرورة لكنه ليس أصلا) في هذا الموقع المبارك.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.