2013/12/08
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شيخنا الفاضل أريد أنْ أسأل عن مسح الوجه بعد الدعاء وكذلك بعض المصلين بعد الصلاة يقرءون آية الكرسي ويمسحون بوجوههم وأجسامهم وكذلك بعد أذكار الصباح والمساء وبعد قراءة سورة الفاتحة، هناك من يلتزم بذلك وهناك مَنْ لا يعمل بها، فأيهما أقرب إلى سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؟ وجزاكم الله على هذا الموقع المبارك لما فيه فائدة للمسلمين.
الاسم: محمد رشيد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد.
مسح اليدين بعد الفراغ من دعاء القنوت في الصلاة، لم أحفظ فيه أثراً موصولاً لحضرة خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى (والثاني: لا يمسح -أي الوجه بعد الدعاء في الصلاة- وهذا هو الصحيح) كتاب المجموع.
أمّا مسح الوجه بعد الفراغ من الدعاء خارج الصلاة وبعد قراءة بعض الآيات والسور فقد وردت فيه أحاديث، منها:-
ما جاء عَنْ أمِّ المؤمنين السيّدة عائشة رَضِيَ اللهُ تعالى عنها وعنْ أبيها قالت (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَمَّا اشْتَكَى كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، والفاتحة وآية الكرسي ثبت أنهما رقية يُستشفى بها، والنبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم كان إذا قرأ شيئاً من القرآن بنيّة الرقية نفث في يديه ومسح بهما وجهه كما جاء في الحديث السابق، ولمزيد من الفائدة يُراجع جواب السؤالين المرقمين (472، 1471) في هذا الموقع المبارك.
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ) الإمام أَبُو دَاوُد رحمه الله تعالى.
وحديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه عند صدره في الدعاء، ثمّ يمسح بهما وجهه) الإمام عبد الرزاق رحمه الله تعالى.
وحديث (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (إنّ مجموع طرقه تقويه حتى يرتقي إلى درجة الحسن)، بمعنى: إلى درجة الثبوت.
قال الشيخ الصنعاني رحمه الله تعالى في سبل السلام (وفيه دليل على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء، قيل: وكأنَّ المناسبة أنَّه تعالى لمَّا كان لا يردهما صفرا فكأنّ الرحمة أصابتهما فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم).
وورد العمل به عن الصحابة والأئمة والتابعين وعلماء الأمّة رضي الله تعالى عنهم وعنكم، إذ كانوا يرفعون أيديهم ثمّ يمسحون بها وجوههم، فعن أبي نعيم رحمه الله تعالى قال: (رَأيتُ ابن عُمر وابن الزبيرِ يَدعوان، يديرَانِ بَالرَّاحتين عَلى الوجه) الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد.
وبفعل الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم تأكيد على مشروعيته، وبيان الحكمة منه.
ولمَّا كان جواز رفع اليدين بالدعاء ومسح الوجه بعده كما جاءت الآثار بما أوردناه آنفاً فقارئ القرآن قد يمرُّ في قراءته بآيات فيها دعاء، أو إخبار عنْ دعاء، كقوله سبحانه تعالى {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة /201]، وقوله جلَّ في علاه {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر/10].
وسورة الفاتحة تشتمل على تحميد الله تعالى، وتمجيده، والثناء عليه، وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه والافتقار وطلب العون منه، والتوفيق إلى الصراط المستقيم، صراط النبيين صلى الله تعالى عليهم أجمعين والصديقين والشهداء والصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فهي أيضاً دعاء ومسح الوجه باليدين بعد الانتهاء منها مشروع، وكذلك بعد دعاء الوسيلة الذي قال فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَنْ قال حين يسمع النداء: اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وأبعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة) الإمام البخاري رحمه الله تعالى. وكذلك الإقامة وقد صح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وهذا يعم الأذان والإقامة، لأنّ كلا منهما يسمى أذانا، ثم يصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بعد قول المقيم (لا إله إلا الله) ويقول: (اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة… إلى آخر الحديث) كما يقول بعد الأذان.
وكذلك ما ورد من أدعية مأثورة عنه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم من أذكار الصباح والمساء ومطلق الأذكار المتضمنة معنى الدعاء، ففي كل ذلك يُندب فيه رفع اليدين ويجوز مسح الوجه بعدها. {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}.
والله سبحانه وتعالى أعلم.