2013/11/06
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته / جزاكم الله تعالى كلّ خير على هذا الموقع المبارك جعله الله تعالى منارا للإسلام والمسلمين/ سيّدي أنا من عشاق بما يسمّى الشعر الإلهي وأطرب كثيرا لشعر ابن الفارض والحلاج وابن عربي رحمهم الله تعالى وهناك مَن يُنكر عليّ ذلك بزعمهم أنّ الحلاج مثلا أفتى العلماء بقتله، وأنكروا على ابن الفارض وابن عربي قصائدهم، فما الحكم الشرعي الفاصل في ذلك؟ وجزاكم الله تعالى كلّ خير.
الاسم: ابو احمد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك جزيل الشكر على دعواتك المباركة وأسأل الله جلّ وعلا لك ولجميع المسلمين الحفظ والرعاية والتوفيق.
الشعر الإلهي هو نوع من الثناء على الله تبارك وتعالى، والثناء ثابت في كتاب الله الكريم وسنّة حضرة خاتم النبيين صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين، قال عزّ وجلّ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة/2 – 4]، وعن سيّدنا فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه قال: (سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يمجّد الله تعالى ولم يصلّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجل هذا، ثمّ دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلّى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربهّ جلّ وعزّ والثناء عليه، ثمّ يصلي على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثمّ يدعو بعد بما شاء) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.
أمّا الثناء على الله تعالى بغير المأثور فجائز لوروده أيضا، شريطة أنْ لا يكون فيه ما يخالف شرع الله عزّ وجلّ، فعن سيّدنا رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله تعالى عنه قال: (كنّا يوما نصلي وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع قال: سَمِعَ الله لمَنْ حَمِدَه، قال رجل وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهمّ ربّنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلمّا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم – أي انتهى من الصلاة – قال: مَن المتكلم بها آنفا؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيّهم يكتبها أوّل) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.
فهذا الرجل لم يكن قد سمع هذه الصيغة التي قالها في الثناء على الله عزّ وجلّ من سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، بل هو مَنْ أنشأها وأقرّه على ذلك سيّد الخلق وحبيب الحقّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين لأنّها موافقة لشرع الله سبحانه وتعالى.
كذلك الحال بالنسبة للشعر، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه (أصدقُ كلمة قالها الشاعر كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطلُ—) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
وقال عليه الصلاة والسلام وعلى آله وأصحابه الكرام في حق سيّدنا حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه (إنّ روح القدس – أي سيّدنا جبريل عليه السلام – لا يَزال يؤيّدك ما نافحت – أي دافعت – عن الله ورسوله) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى (وليس في إباحة الشعر خلاف، وقد قال الصحابة والعلماء، والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة والعربية والاستشهاد به في التفسير وتعرف معاني كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ويستدل به أيضا على النسب والتاريخ وأيام العرب، ويقال: الشعر ديوان العرب، فإنْ قيل: فقد قال الله تعالى {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء/224]، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم (لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه – يأكل جوفه – خير له مِنْ أنْ يمتلئ شعرا) رواه أبو داود وأبو عبيد، قلنا: أمّا الآية فالمراد بها مَنْ أسرف وكذب، بدليل وصفه لهم بقوله {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشعراء/225، 226]، ثمّ استثنى المؤمنين فقال {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا—} [الشعراء/227]، ولأنّ الغالب على الشعراء قلّة الدين والكذب وقذف المحصنات وهجاء الأبرياء سيما مَنْ كان في ابتداء الإسلام ممّن يهجو المسلمين ويهجو النبيّ صلى الله عليه وسلم ويعيب على الإسلام ويمدح الكفار، فوقع الذمّ على الأغلب واستثنى منهم مَنْ لا يفعل الخصال المذمومة، فالآية دليل على إباحته ومدح أهله المتصفين بالصفات الجميلة. وأمّا الخبر فقال أبو عبيد: معناه أنْ يغلب عليه الشعر حتى يشغله عن القرآن والفقه، وقيل: المراد به ما كان كالهجاء وفحشا) المغني (12/44).
فالضابط في قبول الشعر أو ردّه هو:- موافقته لشرع الله عزّ وجلّ أو مخالفته، فإنْ كان موافقا فلا بأس به، وإلا فلا، فكم من شعر فيه حكمة وبلاغة يعجز النثر عن الإتيان بها, كيف لا وقد قال الصادق المصدوق صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه أهل الفضل والذوق (إنّ من الشعر حكمة) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
أمّا الاعتماد على ما ورد في بعض كتب التأريخ للحكم على قبول الشعر أو لا، فهذا غير صحيح لأنّ التأريخ فيه الغثّ والسمين، والأحكام الشرعية لا تؤخذ من القضايا التاريخية بل من كتاب الله عزّ وجلّ ومن سنّة سيّدنا رسول الله المبجّل صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أهل الوفا والفضل.
وقد أدّبنا الشرع الشريف وأرشدنا إلى السبيل الأمثل والطريق الأفضل في كيفية التعامل مع أناس انتقلوا إلى جوار الله الكريم فقال سبحانه {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة/134]، ومن السنّة المطهّرة قول سيّد البررة عليه الصلاة والسلام وآله وصحبة الخيرة (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.
والله جلّ وعلا أعلم.