(1685): هل يجوز للزوج أنْ يفتح جهاز زوجته المحمول؟

2013/11/03

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي الغالي حفظكم الله تعالى للمسلمين أجمعين ونفعنا بحضرتكم في الدنيا والآخرة آمين، تسألني النساء سؤالا لا أحبّ أنْ أجيب عليه دون علم فأحببت أنْ أتشرّف بجوابكم لأستفيد وأفيد، سؤالهن:- هل يجوز للزوج أنْ يفتح جهاز الموبايل الخاص بزوجته ليعرف بمَن اتصلت أو مَن اتصل بها أو لمَنْ أرسلت رسالة أو أرسل لها؟ مع العلم أنها دائما تخبره بمَنْ تتصل أو ترسل له رسالة دون أنْ يسمح لها بأنْ تعرف بالمقابل ما يحدث معه، وجزاكم الله تعالى الخير عنا.

 

الاسم: أم رحمة

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

بارك الله عزّ وجلّ فيكِ على دعائك الطيّب، وأرجوه سبحانه أنْ يعلّمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علّمنا، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأنْ يجعلكِ ممّن ينشرون الخير بين النّاس لاسيما أخواتنا حفظهنّ الله جلّ وعلا ووفقهنّ لمرضاته.

لكلّ إنسان خصوصية لا يُحبّ أنْ يطّلع عليها الآخرون حتّى لو كانوا من أقرب الناس إليه، والخصوصية تشمل ما هو سرّي وغيره، إذ ليس كلّ خاصّ يعتبر سرّا، ومع ذلك يحرص الإنسان بطبعه أنْ تكون بعض الأشياء لصيقة به إلّا إذا بادر هو باطلاع مَنْ يشاء عليها.

ولا شكّ أنّ هاتف الزوجة من هذه الخصوصيات التي لا يجوز لأحد بما في ذلك الزوج أنْ يطّلع عليها، فإنْ فعل بدون رضاها أو علمها ومن غير ضرورة ملحّة فيدخل عمله هذا في باب التجسّس المنهيّ عنه في كتاب ربّنا جلّ جلاله وعمّ نواله وفي أحاديث نبيّنا صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم.

قال الله سبحانه:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [سورة الحجرات: 12].

وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) متفق عليه.

بل إنّه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام نهى أنْ يرجع الرجل مِنْ سفره ليلا لأسباب منها:-

1- كي لا يكون ذلك تجسّسا منه.

2- حتى لا يطّلع على ما يريبه.

فقال صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ فَلاَ يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.

وعن سيّدنا جابر بن عبد الله رضي الله سبحانه عنهما قال:-

(نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

والتجسّس على هاتف المرأة بشكل عام يحمل محاذير أخرى فقد يحوي على أسرار بثّتها نساء أخريات فكان بعمله هذا هاتكا لأستار استُودِعَت عند هذه المرأة سواء كانت زوجة أو غيرها.

وعلاقة الزواج التي تجمع الرجل والمرأة مع ما تحمله من أوصاف الرحمة والتلابس والتكامل المذكورة في القرآن العظيم كقوله عزّ وجلّ:-

{— هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ —} [سورة البقرة: 187].

وقوله سبحانه:-

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].

توجب الوقوف عند خصوصية كلّ منهما فذلك يزيد بواعث الاحترام والمودة والرحمة، والعكس صحيح، فإذا تجاوز أحدهما على الآخر في هذا الباب نتج عدمُ الثقة ونقصٌ في الاحترام المطلوب لعلاقتهما.

نعم، عندما يسمح الإنسان لنفسه أنْ يتجاوز حدود الله جلّ وعلا كما هو الحال هنا (تفتيش الزوج خصوصيات زوجته أو العكس) فإنّ هذا التصرّف يولّد مآس كبيرة ويفتح ثغرات خطيرة.

فمن المآسي: نشوب الخلافات بين الأزواج بسبب الشكوك والظنون وربما تجاوزتهما إلى اتهام جهات أخرى في هذا الموضوع.

 

ومن الثغرات: استغلال شياطين الجنّ والإنس الذين قال الله عزّ وجل فيهم:-

{— شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا —} [سورة الأنعام: 112].

الاندفاع الحاصل من أحد الطرفين أو كلاهما لأجل التجسّس لفتح ثغرة أو ثغرات بين الزوجين خاصّة وبين أفراد الأسرة بشكل عام، وكذلك المجتمع، إذ يحتمل أنْ يكون هناك مَنْ يقصد تخريب هذه العلاقة، وقد عرضت عليّ مشكلة من هذا القبيل فلمّا جرى التحقق توصلوا إلى نتيجة أكيدة هي:-

أنّ فلانا من الناس كان يرسل رسائل إلى زوجة صاحب المشكلة من أرقام متعدّدة للتنكيل بها لأنّها رفضته من قبل!

ومثل هذا كثير مع الأسف عند مَنْ فقدوا تقوى الله جلّ وعلا، وأصبحوا مطيّة الشياطين تؤزّهم أزّا، علمًا أنّ هذا الموضوع من الأمور الحديثة في مجتمعنا يحتاج إلى دراسة مستفيضة، أسأل الله سبحانه أنْ يقيّض لها من ذوي الاختصاص والخبرة مَنْ يكتبُ فيها اطروحة جامعية تصلح لنيل شهادة دكتوراه.

وهذا الحكم والتوجيه يسري إلى الزوجة أيضا فلا يحلّ لها التجسّسُ على زوجها واختراق خصوصياته.

ولا أرى داعيا لإخبار الزوج بكلّ مَنْ يتصل أو يُرسل رسالة لأنّه قد تنسى الزوجة إخبار زوجها في يوم من الأيام فيثير ذلك الشكوك والظنون عنده فتحدث المشاكل التي أشرت إليها.

أمّا إطلاع الأب على بعض خصوصيات الأبناء دون علمهم بهدف التعرّف على سيرتهم فلا بأس به على أنْ لا تكون عادة أو لمجرّد الفضول، وأنْ يكتم أيّ شيء يطّلع عليه.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.