2013/09/29
السؤال:
السلام عليكم ورحمته الله وبركاته.
فضيلة الشيخ لديّ صديق عزيز عليّ وهو ذو خلق، أذهب معه إلى المسجد يوميا وهو يصلي تقريبا 5 أوقات في المسجد ويصلي النوافل والضحى والوتر وأحيانا يقوم الليل أيضاً ولكن لديه مشكلة إذ هو مدمن مشاهدة المواقع الغير الأخلاقية ولكنه غير راض عن حاله أبدا حتى في بعض الأوقات يقول: أبكي وأنا أصلي لمّا أتذكر أني واقف أمام الباري عزّ وجلّ، وهو يعلم أنّ هذه الأفعال حرام ولا تجوز ولكنه يقول الشيطان يغلبني في كلّ مرّة.
وهو الآن حالته النفسية ليست جيدة لأنه غير راض عن أفعاله وطلب مني مساعدته وأنا بدوري أطلب مساعدتك حضرة الشيخ بالإرشاد والنصيحة لكي يستطيع التغلب على شيطانه، وهل مثل هذه الأفعال يعتبر زنا ويقع عليه عقوبة الزاني؟
أسال الله العلي القدير أنْ يجعل هداية هذا الشاب على يدك إنْ شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الاسم: محمد
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
قال الرقيب تبارك في علاه:-
{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [سورة الإسراء: 26].
وقال جلَّ ثناؤه:-
{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [سورة غافر: 19].
الأخ السائل وفقَّك الله عزّ وجلّ لكلّ خير وأعان شباب المسلمين على هذه الأزمان التي تحقق فيها قول مَنْ لا ينطق عن الهوى سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ) الإمام الترمذي رحمه الله جل وعلا.
حيث قد عمّ البلاء وانتشرت فتنة الناس عن دينهم وامتد الفساد عبر وسائل الإعلام المتعددة في بلاد المسلمين، فحيثما توجّه المسلم العفيف فسيواجه في طريقه شيئاً مِنْ هذه المظاهر، والله المستعان.
لكنّني ألمح منابعاً للخير كثيرة في صديقك من التزام بالفرائض والنوافل وهضم للنفس وبكاء من خشية الله عزّ وجلّ ونفسٍ لوامةٍ وجهادٍ مباركٍ لوساوس النفس ولإبليس وأعوانه، وما ذكرته عن الحالة النفسية فهذه لها سببان:-
الأول: هو أنوار الطاعات في القلب ورفضه لظلمة المعصية.
والثاني: أثر طبيعي للمخالفة الشرعية وهو نتيجة للسموم الشيطانية لمخالفته الهديّ النبويّ فقد قال طبيب القلوب سيّدنا مُحمّد عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومَةٌ فَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللَّهِ أَثَابَهُ جَلَّ وَعَزَّ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ) الإمام الحاكم رحمه الله عزّ وجلّ.
والمعركة قائمة في القلب بين جند الرحمن عزّ كماله وجند الشيطان، والنصوص الشرعية واضحة في الأمر بغضُّ البصر عن الحرام فهو من دلائل الإيمان، بل هو علامة على صحة القلب وقوته، والجزاء من جنس العمل، فمَنْ آثر رضا الله تعالى على هوى نفسه أورثه حلاوة الإيمان في قلبه، وانظر كيف ربط القرآن الكريم بين غضِّ البصر وأثره في تزكية القلب فقال مالك القلوب وعلّام الغيوب جلّ جلاله:-
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [سورة النور: 30].
وفتنة النساء من أعظم مداخل الشيطان على الإنسان.
كُلُّ الحَوَادِثِ مَبْدَؤُهَا مِنَ النَّــظَر *** وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّـرَر
كَمْ نَظْرَة فَتَكَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا *** فَتْكَ السِّهَامِ بِلَا قَوْسٍ وَلَا وَتَــــــــر
وَالمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّـبُـهَــــا *** فِي أَعْيُنِ الغِيْدِ مَوْقُوْفٌ عَلَى الخَطَر
يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَـــتَــــــهُ *** لَا مَرْحَبًا بِسُرُوْرٍ عَادَ بِالضَّـــــــرَرِ
والعلاج يكون بترقية وتقوية وتنقية:-
أمّا الترقية: فمراقبة السميع البصير عزَّ وجلَّ واستشعار عظمته وأنّه مطلع على جميع الحركات والسكنات، لا تخفى عليه خافية، وكما قال بعض السلف رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ المَعْصِيَة، وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ عَصَيْتَ).
وسئل الإمام الجنيد عليه سحائب رحمة ذو الجود والكرم:-
(بِمَ يُسْتَعَانُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ؟ قَالَ: بِعِلْمِكَ أَنَّ نَظَرَ اللهِ إِلَيْكَ أَسْبَقُ إِلَى مَا تَنْظُرُ).
وَإِذَا خَلَوْتَ بِرِيْبَةٍ فِي ظُـلْـــــمَـةٍ *** وَالنَّفْسُ دَاعِيَةٌ إِلَى الطُغْيَانِ
فَاسْتَحِي مِنْ نَظَرِ الإِلَهِ وَقُـلْ لَهَا *** إِنَّ الّذِي خَلَقَ الظَّلَامَ يَرَانِي
وأمّا التقوية: فتكون بالاستمرار بمجاهدة النفس فإنَّ الطريق إلى الجنة شاق ويحتاج إلى مجاهدة وصبر، وقد قال الله تعالى:-
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة العنكبوت: 69].
وأمّا التنقية: فتكون بالوقاية وسلوك طريق الهداية.
فأمّا الوقاية: فبالابتعاد عن أسباب المعصية مع غضِّ البصر عمّا حرّم الله جلّ وعلا، وترك رفقاء السوء، ومحاولة الانشغال بعملٍ علمي أو مهني يشغل الوقت، مع السعي للزواج ما أمْكن، والاستعانة بالصوم فإنّه وِجاء ووقاية كما أخبر حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
أمّا سلوك طريق الهداية: فبالاستمرار على طاعة الله جلّ في علاه والدوام على التوبة الصادقة التي يعزم فيها على عدم العودة إلى مشاهدة هذه المواقع مرة أخرى، فإنْ نازعتِ النفس وضعفُت أمام المعصية فليسرع مرّة أخرى إلى التوبة الصادقة، فإنَّ الله جلّ جلاله يقبل التوبة مادام العبد يعلم أنَّ له رباً يغفر الذنب ويقبل التائبين، وليداوم على المحافظة على فعْلِ الطاعات والإكثار مِنَ القربات فإنَّ فِعْلَ الطاعة ينهى عن الآثام والمعاصي؛ قال عزّ من قائل:-
{اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [سورة العنكبوت: 45].
وقال:-
{وأقم الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 114].
وقَالَ الرَسُول الماحي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-
(اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) الإمام التِّرْمِذِيُّ رحمه الله جلّ وعلا.
وانظر إلى قول معلِّم الخير سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم وهو يُبيِّن لنا وسائل التنقية مِن أدران القلوب وأثر الطاعات في إزالة الران الذي يتراكم عليها حيث قال:-
(إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.
وليْدعُ الله جلّ وعلا بما دعاه نبيّنا المعظَّم مُحمّد صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-
(اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ، وَعَمَلِي مِنَ الرِّيَاءِ، وَلِسَانِي مِنَ الْكَذِبِ، وَعَيْنِي مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) الحكيم الترمذي رحمه الله تعالى.
ومَنْ أطلق لَحظاتِه دامتْ حسراتُه.
وَمَنْ كَانَ يُؤْتَى مِنْ عَدَوٍّ وَحَاسِدٍ *** فَإِنِّي مِنْ عَيْنَيَّ أُتَيْتُ وَمِنْ قَلْبِي
هُـمَا اعْـتَـوَرَانِـي نَظْرَةً ثُمَّ فِكْرَةً *** فَمَا أَبْقَيَـا لِـي مِنْ رُقَـادِ وَلَا لُبِّ
والأفعال المذكورة في السؤال تعتبر مِنَ الزنا المجازي فقد أخبر النَّبِيَّ المكرّم صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَآله وصحبه سَلَّمَ بقوله:-
(إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ في علاه.
ولا ينبني عليها عقوبة الزنا.
وليَعلم أنَّ هذه المحاسبة لنفسه التي يجدها اليوم قد لا يَجدها إذا تطاول عليه الأمر وهو واقع في ما ذُكِر، وهذا ما حذرنا الله تعالى منه بقوله:-
{— وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [سورة الحديد: 16].
وأنّ الإصرار على المعصية سبب التعرّض للعقوبة الإلهية فلا يأمن أنْ تبغَته في أيّ ساعة، شأنه شأن كلّ مُصِّرٍ على معصية الله عزّ وجلّ القائل:-
{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [سورة النحل: 45 – 47].
وأوصيه بالافتقار ثمّ الافتقار ثمّ الافتقار إلى الملك الجبّار تقدّس اسمه وليُعلن العجز بين يديه وليُكثر مِنَ التضرِّع إليه فإنّ القلوب بين أصبعين مِنْ أصبعيه، فعن سيّدنا حُذَيْفَةَ رضي الله تعالى عنه أنّه قَال:-
(لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاَّ الَّذِي يَدْعُو بِدُعَاءٍ كَدُعَاءِ الْغَرِيقِ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله سبحانه.
ولا بأس بقراءة كتاب (الجواب الكافي لِمَنْ سأل عن الدواء الشافي) للشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على طاهر القلب وعظيم الأخلاق، المنزّه عن الأدناس وعن معصية الخلّاق عزّ وجلّ، سيّدنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه ماجَنّ ليلٌ وظهرت شمسٌ بإشراق.