2013/06/25
السؤال:
سيدي حضرة الشيخ.
أرجو الله أنْ تكونوا بعافية وخير دائمين، وأنْ ينفع الله تبارك وتعالى بكم.
في الآية الكريمة {وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم} والشرع الشريف يبيح الزواج من الكتابية، فهل هناك شروط لهذا الزواج؟ وهذا بادعاء بعض الشباب الذي يعيش في الغرب أنه لا يعثر على مسلمة مناسبة له للزواج! ومع إصرارهم على الزواج من كتابية، وتقبلوا فائق الاحترام.
الاسم: محمد عبد الرزاق
الرد:-
جزاك الله جلّ في علاه خيرًا على دعائك ولك مثله.
إنّ الرأي الراجح عند جمهور العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم هو إباحة الزواج من الكتابية لقوله جلّ وعلا:-
{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة المائدة: 5].
لكنهم جعلوا لهذه الإباحة قيودا منها:-
أ- أنْ تكون الكتابية محصنة أي عفيفة لقوله تعالى في الآية السابقة {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}، وقد ذكر الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره:-
أنّ رجلا جاء إلى الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى فسأله: أيتزوج الرجلُ المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات؟ فإنْ كان لابدّ فاعلا فليَعْمَدْ إليها حِصانا (أي محصنة) غير مسافحة، قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا لمح الرجل إليها بعينه اتبعته.
ب- ألا يؤدي الزواج من كتابية إلى فتنة أو ضرر محقق أو مرجّح، قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(لا ضَرَرَ ولا ضِرَار) الإمام مالك رحمه الله عزّ شأنه.
والذي أراه هو منع الزواج من كتابية إلّا عند الضرورة للأمور التالية:-
1- حثّ الشرع الشريف إلى الزواج من المسلمات الصالحات، قال الله عزّ وجلّ:-
{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة النور: 32].
وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام أيضا:-
(تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ) الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى.
2- إنّ عزوف الشباب المسلم اليوم عن الزواج من المسلمات سيزيد من نسبة العنوسة في المجتمعات الإسلامية والتي تعاني منها أصلا بسبب كثرة عدد النساء مقارنة بالرجال، وعدم زواج الرجل بأكثر من واحدة، وهذا يؤدي حتما إلى حرمان الكثير منهنّ من الحياة الزوجية والرغبة في الأمومة وهي غريزة كلّ امرأة، روى الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى في كتابه «الآثار»:-
أنّ سيّدنا حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه تزوّج بيهودية بالمدائن، فكتب إليه عمر: أنْ خلِّ سبيلها، فكتب إليه: أحرام يا أمير المؤمنين؟ فكتب إليه عمر: أعزم عليك ألا تضع كتابي هذا حتّى تخلّي سبيلها، فإنّي أخاف أنْ يقتدي بك المسلمون، فيختارون نساء أهل الذمّة لجمالهنّ، وكنَّ بذلك فتنة لنساء المسلمين.
3- عدم التكافؤ بين المسلم والكتابية في كثير من الأحيان لاسيما إذا كانت أجنبية، فدينها غير دينه، ولغتها غير لغته، وجنسها غير جنسه، وتقاليدها غير تقاليده، ومفاهيمها غير مفاهيمه، وهذا يؤدي في الغالب إلى فشل هذه العلاقة التي أريد لها الدوام، وهذه المشكلة تكبر وتعظم إذا قدّر الله تبارك في علاه أنْ يُرزقا بأطفال.
4- لمّا أباح الشرع الشريف الزواج من كتابية كان القصد من ذلك مظنّة تأثّر الكتابية بزوجها المسلم فتُسلم وكان هذا حاصلا لمّا كان المسلمون متمسكين بدينهم، داعين إليه، يؤثّرون بغيرهم ولا يتأثرون، وهذا غير متحقق اليوم إلّا في القليل النادر إذ الأغلبية من شباب المسلمين هم منْ يتأثر بأفكار غيرهم ويَصدقُ فيهم قول سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-
(لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قَالَ: فَمَنْ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
5- سُئِل سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن نكاح النصرانية واليهودية فقال:-
(إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ المُشْرِكَاتِ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلاَ أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ المَرْأَةُ: رَبُّهَا عِيسَى، وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
وهذا الأثر الشريف يوجب علينا التحرّي عن معتقدات الكتابيات قبل الإقدام على نكاحهنّ.
وملخص القول:-
إنّ الزواج مباح للدليل الوارد وتتأكّد الإباحة في حال مظنة تحقق المصالح من مثل هذا الزواج ومن أعظمها التطلّع إلى إسلامهنّ بعد نكاحهنّ.
والله عزّ وجلّ أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.